المركز العربي للدراسات الأمريكية

السياسة الأمريكية تجاه الصين حال أصبح “بايدن” رئيسًا

بقلم: أحمد السيد

مع بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر عقدها في 3 نوفمبر 2020، تٌظهر نتائج استطلاعات الرأي الصادرة عن مراكز ومؤسسات الفكر المٌختلفة تفوق مٌرشح الحزب الديمقراطي “جو بايدن” على منافسه مٌرشح الحزب الجمهوري والرئيس الحالي “دونالد ترامب”. 

على الرغم من تمتع “بايدن” بقاعدة دعم عريضة من قِبل الناخبين، اذ تٌظهر استطلاعات الرأي حصوله على نسب تأييد تتجاوز الـ 50% حتى الآن. إلا أن ذلك ليس ضامنًا كبيرًا لنجاحه في الانتخابات القادمة، ولنا في انتخابات عام 2016 خير مثال على ذلك، إذ أظهرت نتائج استطلاعات الرأي حينذاك تفوق مٌرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلينتون” على ” ترامب”، لكن في الأخير فاز “ترامب” بأغلبية أصوات “المٌجمع الانتخابي” وحُسم السباق لصالحه. 

مع تنامي فٌرص “بايدن” وارتفاع أسهمه بين المواطنين، يقودنا ذلك إلى محاولة توقع النهج الذي سيتبعه حال فوزه في الانتخابات القادمة. وسُنركز على شكل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصين، باعتبارها أكثر القضايا الراهنة إثارة للجدل، يضعنا هذا الأمر أمام عدد من الأسئلة منها: كيف سيتعامل “بايدن” مع تنامي الصعود الصيني الكبير؟، وموقفه من قضايا تايوان وهونغ كونغ والتوسع الصيني في بحر الصين الجنوبي؟، وهل ستستمر الحرب التجارية التي بدأها “ترامب” مع بكين أم ستخف حِدتها؟، هل سيتحول التنافس بين البلدين بعيدًا عن التجارة نحو قضايا أخرى كالملكية الفكرية وحقوق الإنسان؟ هل سيستمر “بايدن” في فرض عقوبات أمريكية على عِملاق التكنولوجيا الصيني “شركة هواوي”؟ كل هذه الأسئلة وأكثر سنحاول تقديم إجابة سريعة لها في ضوء ما صدر من تصريحات على لسان ” بايدن” نفسه، أو أعضاء حملته من الحزب الديمقراطي.  

يتوقع كثير من المحللين والمٌتابعين للشأن الأمريكي أن تشهد الولايات المتحدة تغيرًا جذريًا فيما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية في كثير من القضايا والملفات العالقة. أبرز هذه التغيرات تتبلور حول شكل العلاقة مع الصين، تلك العلاقة التي كانت مسار تذبذب وخلاف كبير بين القوتين على مدار العقد الماضي. والتي توجت في عهد “ترامب” بحرب تجارية شرسة.

اتباع “بايدن” سياسة مرنة مع الصين

رُبما يسعى “بايدن” في البداية إلى تبني استراتيجية تعامل مرنة تجاه بكين، بخلاف الاستراتيجية التي اتبعها “دونالد ترامب”، والتي أدت إلى تأزم العلاقات بين الجانبين. ستسعى حكومة” بايدن”، إلى إيجاد طرق لتحسين العلاقات مع الصين، الأمر الذي من شأنه أن يمنع تدهور العلاقات بين الكبيرين.

ويُتوقع أن تشهد العلاقات الثنائية بين بكين وواشنطن تحسنًا ضئيلاً في ظل رئاسة “بايدن”، وسيستمر الاتجاه نحو مزيد من المنافسة، لكن تعامل الولايات المتحدة مع الصراع سيبدو مختلفًا في ظل رئاسة “بايدن” عما كان عليه تحت قيادة “ترامب”. ويتوقع أن يتحول التنافس بين البلدين بشكل متزايد بعيدًا عن التجارة نحو قضايا أخرى، بما في ذلك حماية الملكية الفكرية واختلالات السوق الناتجة عن النموذج الاقتصادي الصيني وقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية.

كانت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد “ترامب” سياسة انعزالية، ركزت على إزالة أي قيود خارجية على القوة الأمريكية من خلال الانسحاب من الهيئات متعددة الأطراف ومحاولة تقليل العجز التجاري للولايات المتحدة. في المقابل يُتوقع من “بايدن” إحياء المشاركة الخارجية الأمريكية، لا سيما في الموضوعات الاستراتيجية. 

أولوية “بايدن”: التركيز على الوضع الداخلي

يٌركز المٌرشح الديمقراطي “جو بايدن” في برنامجه الانتخابي بشكل كبير على الاهتمام بالقضايا والأهداف المحلية، وخاصة أن أزمة فيروس كورونا المٌستجد، كشفت عن عوار كبير في أنظمة الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، وربما هذا الأمر من الأسباب الرئيسية وراء تراجع نِسب التأييد لـ “ترامب” في استطلاعات الرأي الأخيرة.

سيسعى “بايدن” بجانب التركيز على الشأن الداخلي، والعمل على استعادة دور الولايات المٌتحدة الأمريكية عالميًا بعد أن تراجعت في عهد ترامب، إلى اتباع سياسات خارجية لا تتعارض مع أهدافه الداخلية، وبشكل يخدم المتطلبات الاستراتيجية للمرحلة المٌقبلة من خلال اتباع مبدأ “كسب الأصدقاء” وسيتجنب الدخول في نفق مُظلم، كما فعل “ترامب” مع كثير من القوى الكبرى في العالم.

وبالتالي مع الأزمات المٌتصاعدة حاليًا من تفشي كبير لوباء “كوفيد-19” وما ترتب عليه من تداعيات اقتصادية كارثية على الاقتصاد الأمريكي وارتفاع نسبة البطالة بين صفوف الشباب الأمريكيين، إضافة لما يتعرض له البعض من ظُلم اجتماعي وعنصري من قِبل قوات الشُرطة ما نجم عنه مقتل المواطن الأمريكي ذو الأصول الأفريقية “جورج فلويد” منذ عِدة أسابيع، وعدم تعامل الحكومة الأمريكية بِحكمة مع تلك القضايا، باتت هذه الأزمات من أكبر التحديات التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وليست الصين؛ وفقًا لأنصار الحزب الديمقراطي.

وبخلاف “ترامب” الذي روَج إبان حملته الانتخابية وأثناء فترة حُكمه بأن الصين هي أكبر مُشكلة تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لجذب الانتباه بعيدًا عن إخفاقاته الداخلية. فإن “جو بايدن” سيولي تركيزًا أكبر على القضايا الداخلية. لكن هل يعني ذلك أنه سيترك زمام الأمور لبكين لتفعل ما شاء لها؟ 

في هذا السياق، أوضح قادة الحزب الديمقراطي أن “بايدن” لن يسمح بظهوره كشخصية ضعيفة، ولن يٌعطي الفُرصة لـ ” دونالد ترامب” بوصفه بالشخص “اللين مع الصين”، بل يرون أنه سيتبع سياسة تقوم على مبدأ كسب الأصدقاء، وتعظيم المنفعة والرضا بين الجميع، وسيعتمد على اتباع سياسة خارجية مع بكين تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل في سياق يُراعي المعايير والقواعد العالمية ودون تعدٍ على حقوق ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي حال أصبح “بايدن” رئيسًا فإن قضايا مثل تحقيق العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية وتعزيز الاقتصاد والتوسع في برامج البحث والتطوير وقضايا البيئة والُمناخ وتنمية البنية التحتية للولايات المتحدة ستحتل ترتيب أولوياته. وسيحاول قدر الإمكان تجنب الوقوع في “الفخ” الذي وقع فيه الرئيس الحالي “ترامب” بإلقاء اللوم على أطراف خارجية.

وبحكم خِبرته السابقة “كنائب للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما” يتمتع “بايدن” بخبرة كبيرة في كيفية التعامل مع بكين، إضافة لارتباطه بعلاقات طيبة مع الرئيس الصيني الحالي “شي جين بينغ”.

في التعامل مع الصين، هناك ثلاث قضايا يُدركها “بايدن” جيدًا

يُدرك “بايدن” كل هذا، لكنه يرى أن الأولوية الاّن تتمثل في “إعادة ترتيب البيت من الداخل”، وإذا ما تحقق له ذلك فإنه سيصبح أكثر قوة وتنظيمًا بشكل يُمكنه من التعامل بشكل صحيح مع الصين.

وبالتالي ستتمثل مُهمة “بايدن” – حال كسبه الانتخابات القادمة – في مُعالجة هذا المسألة والدفع بأصحاب الخِبرات في هياكل صُنع القرار الرسمية.

وبالتالي رٌبما يسمح “بايدن” بإفساح المجال للصين في النظام الدولي، ولكن وفقًا لمبدأ المُعاملة بالمثل من خلال اتباع سياسات عادلة وتعاملات ثُنائية تٌراعي المعايير الدولية واّليات هذا العصر.

ماذا سيفعل “بايدن” تجاه بعض القضايا الخلافية مع الصين حال فاز بالانتخابات القادمة؟

بعد ذلك يٌتوقع أن تسعى إدارة “بايدن” فور الانتهاء من القضايا الداخلية إلى تعزيز التواجد الأمريكي في المنطقة.

كما حرمت واشنطن “هواوي” من الحصول على أي رقائق سيليكون استنادًا إلى المعرفة التكنولوجية الأمريكية، الأمر الذي يهدد “هواوي” بالشلل، كما اتبعت واشنطن ما يُسمى “مٌبادرة المسار النظيف – Clean Path Initiative”، حيث تُطالب الدول وشركات الطيران بضمان خلو الاتصالات بين الولايات المتحدة الأمريكية وقواعدها العسكرية وبعثاتها الدبلوماسية في الخارج من المعدات الصينية.

ووفقًا لأنصار “بايدن” فإنه لن يتجاهل هذه الأمور، بل رٌبما يسعى لفرض مزيد من العقوبات على “هواوي” الصينية من خلال جذب حلفاء الولايات المتحدة الامريكية بجانبه.  

في الختام، لا تزال نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية سابقة لأوانها. وبالتأكيد سيؤثر تكوين الكونجرس القادم أيضًا على مسار السياسات الأمريكية المستقبلية بشأن التعامل مع الصين. الأمر المؤكد هو أن العلاقة القديمة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد موجودة. فقد تجاوزت الصين نقطة اللا عودة وستكون أكثر حزمًا في تحدي تفوق الولايات المتحدة بقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية ونفوذها العالمي. 

ووفقًا لهذه المعطيات، يحتاج فريق “بايدن” إلى إقناع ناخبيه المحليين وحلفائه الدوليين بأنه مستعد لمواجهة التحديات التي تطرحها الصين، والتي لم تتعامل معها أي من الإدارات السابقة، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية. وفي الوقت الذي قد لا ترغب فيه الإدارة الأمريكية المستقبلية في الدخول في حرب باردة مع الصين، ستعمل بالتأكيد على بلورة سياسة خارجية تجاه بكين بشكل يخدم المُتطلبات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر: المرصد المصري

Exit mobile version