دراسات النظام السياسي

تحولات الحزب الديمقراطي بين ضمور الإعتدال ونهوض التقدميين و اليسار

خاص بالمركز العربي للدراسات الأمريكية

بقلم: ياسر الغسلان

البعض يرى الحزب الديمقراطي من خلال تصوير تجمعهم الإنتخابي الأخير و وصفه بأنه يشبه تجمع عائلة مفككة إجتمع كل افرادها لحضور حفل زفاف، وقد يتبادر للذهن عند النظر للصورة الجماعية للزفاف أنها إحتفالية جميلة، ولكن الواقع يقول أن هناك ملامح في الصورة أكثر قتامة تختفي بين أطياف الوانها.

حاول تيار الوسط “الإعتدال” في الحزب خلال الأشهر الماضية الدفع برسالة معتدلة كوسيلة منهم لكسب المقاعد المتأرجحة في الإنتخابات القادمة وبالتالي الفوز بالبيت الأبيض، وربما كذلك استعادة مجلس الشيوخ، إلا أن اليسار الديمقراطي المتحمس برؤية “بيرني ساندرز” ورفاقه الاشتراكيين واتساع احتجاجات الحقوق المدنية عمل على ملاحقة بقية الديمقراطيين بتحديات حقيقية من خلال النجاحات المتزايدة التي حققتها في الإنتخابات التمهيدية الحزبية، وهو الأمر الذي فسح المجال للتكهن عن المدى الذي يمكن أن يلقيه ذلك على مستقبل الحزب ووحدته الداخلية. 

الإجابة السريعة واللحظية لذلك هي أن الحزب اليوم موحد لا لشئ سوى لكون جميع مكوناته متحدة لتحقيق هدف واحد وهو هزيمة الرئيس ترامب في الإنتخابات القادمة، على الرغم من كل الضغائن بين الوسط ويسار الوسط وأقصى اليسار أثناء الإنتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب، إلا أن الواضح وفق المعطيات الحالية هو أن الحزب موحد على الأقل في المدى القريب، فحتمية هزيمة ترامب لمستقبلهم أمر متفق عليه، والالتفاف حول بايدن باعتباره خياراً مرضٍ بما فيه الكفاية لهذه المرحلة.

إلا أنه من الواضح اليوم من خلال قراءة مكونات الحملات الانتخابات التمهيدية الديمقراطية هو أنها كانت صاخبة وحادة، ولم تكن مبنية على فرضية سوء فهم المترشحين بين بعضهم حول ما يتبناه كل طرف، كما أنها لم تكن إتهامات ومبالغات من نسج خيال وسائل التواصل الاجتماعي، بل على العكس تماماً، كانت الأطراف التي تنافست حينها تفهم بعضها البعض بشكل جيد، وعليه فإن فوز بايدن في الإنتخابات القادمة في نوفمبر سيعني أنه سيقع تحت ضغوط هائلة من منافسيه الحزبيين، في حين لو خسر فإن تبادل الاتهامات بين الأجنحة الديمقراطية المختلفة ستخلق جواً ساماً داخل الحزب وفي حراك أطيافه السياسية حول الأيديولوجيا التي يجب أن يتبناها الحزب في الفترة القادمة وما هي السياسات التي يجب أن يعمل عليها ويدافع عنها بشكل موحد.

أزمة الهوية

اليوم حيث نرى الحركة التقدمية داخل الحزب الديمقراطي أصبحت تشارك بشكل لافت لابد لنا أن نبحث إن كانت أصبحت جزءًا من الائتلاف الحزبي بطريقة لم تكن عليها في عام ٢٠٠٨ عند قدوم أوباما أم أنها بقيت بذات المقدار الذي كانت عليه أم أن بريقها قد خفت، والرأي الغالب عند الكثير من الديمقراطيين هو أن جدلاً أيديولوجياً وحول السياسات واتجاهات الحزب قد بدأ فعلا خلال السنوات القليلة الماضية، مركزه ينطلق من الأفكار التقدمية التي يحملها عدد من الأعضاء الشباب من القادمين الجدد للكونغرس.

ساندرز و الحراك الإشتراكي

ليس خافياً أنه منذ الانتخابات الرئاسية ٢٠١٦ بدأ الحزب الديمقراطي يتجه أكثر نحو اليسار، وقد أدى ذلك إلى أزمة هوية في الحزب وتقسيمه إلى ثلاثة أجنحة متنافسة يمينها الإعتدال ووسطها التقدمي ويسارها الإشتراكي، وربما يمكن إعادة سبب جميع تلك التغييرات لظاهرة السيناتور “بيرني ساندرز”، وعلى الرغم من أن الإشتراكي العتيد لم يحقق الفوز بترشيح الحزب في ترشحه الأول ضد “هيلاري كلينتون” في ٢٠١٦ أو الثاني هذا العام ضد “جو بايدن” إلا أن قدرته على الاستجابة لمخاوف الناخبين وما عبرت عنه حملته الشعبية، دفعته إلى القيام بعمل أفضل مما كان متوقعًا وذلك بدفع الحزب بالاتجاه التدريجي نحو اليسار.

فعندما دخل السناتور ساندرز في المنافسة الرئاسية عام ٢٠١٥ كان يتحدث بشكل مركز عن معاناة العديد من الناس من الطبقة العاملة الذين لم يتحدث باسمهم في السابق أحد أو حتى يتحدث اليهم مباشرة حول قضايا تمسهم من قبيل فرض ضرائب أكثر وتصاعدية على الأغنياء وعن مزايا تمس حياتهم مباشرة مثل الرعاية الصحية للجميع والبرامج الخاصة بإلغاء جميع ديون الطلاب إلى جانب التعليم المجاني في الكليات والجامعات العامة، وإرساله رسائل واضحة للمواطن مفادها أن على السياسيين أن يفعلوا شيئًا مختلفًا تمامًا لمعالجة آلام الناس، لأن الوضع الراهن لا يمكن وصفه إلا بأنه قد خذلهم، كل ذلك أكسبه وتياره اليساري داخل الحزب ولدى بعض المستقلين زخماً، وساعد في إعتبار ما يقوله ساندرز والنظر إليه على أنه خياراً يضع في الاعتبار هموم الناس وتطلعاتهم.

لكن وضمن هذا الخطاب اصطدم العالم بمجئ ترامب لتزيد الطبقية ولتأتي معها مزيد من المعاناة للعديد من الطبقات الكادحة في المجتمع كما يرى العديد من الديمقراطيين، ومن هنا فإن التقدميون يرون أن الحزب يجب أن تكون لديه خطة محددة مبنية على أسس أئتلافية للفوز بالانتخابات تملك في ثناياه حلول واقعية وذات مصداقية، ويمكنها أن تكون المسار الذي يمضي به الحزب خلال السنوات الخمسة القادمة.

الإنقسام الحاصل اليوم في الحزب يمكن تصنيفه بين طيفين رئيسيين الأول هم هؤلاء الذين يفكرون في أنفسهم من منظور أيديولوجي وبالتالي فإن سياساتهم وقضاياهم تكون مبنية على ذلك الأساس، وهم غالباً ما يكونوا أقل مرونة من حيث المناورة في أرائهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية، تماماً كما هو الحال مع اليساريين والتقدميين، وطيف أخر ينظر لنفسه باعتباره معني بحل المشكلات والتعاطي مع القضايا من منطلق برغماتي بحت، يعمل وهو مدرك تماماً حقيقة أنه ستكون هناك عقبات يحتاج إلى التكيف معها إن هو اراد المضي في مسعاه السياسي في جو من التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة وهو الذي يمكن قراءته في سياسات ومواقف المعتدلين.

براغماتية تغيير المواقف

نأخذ مثلا قضية أصبح الجمهور اليوم أكثر انفتاحًا بخصوصها من حيث القبول بها كوسيلة ناجعة في التعاطي مع التحديات الوطنية وكانت لعقود مرفوضة نتيجة الإرث الذي تركه للبلاد الرئيس ريغان وهي قضية تدخل الدولة في حل مشكلات الناس، فما حدث مع كورونا يمكن اعتباره اللحظة المفصلية التي فسحت المجال لإعادة النظر لتلك القضية من منطلق عملي وكذلك فلسفي لدور الحكومة في الحياة العامة، وحيث أن اليسار والمحسوبين عليه عملوا ولا زالوا من فترة ليست بالقصيرة على الدفع نحو تبني ذلك الإتجاه، فإن الإعتدال داخل الحزب سيجد نفسه من منطلق الواقعية والبراغماتية السياسية مضطراً للتعاطي مع هذه القضية الخلافية باعتبارها قد تكون الوسيلة الوقتية والوحيدة الناجحة لكسب أكبر قدر ممكن من التأييد الشعبي، خصوصا بعد كل الدعاوى التي ظهرت منذ أن تفجر الوباء بوجوب تدخل الحكومة والعمل على إنقاذ حياة الناس وإعادتها إقتصادياً إلى وضعها الطبيعي مع كل ما تضمنه ذلك من خطابات ركزت على الجوانب المتعلقة بالعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة العرقية وما إلى ذلك.

الإتجاه اليساري مع بدء حملة الانتخابات التمهيدية للحزب الأخير أصبح أكثر صدامية وخروجاً عن المسار الحزبي المتبع، فطرح العديد من المرشحين الديمقراطيين سياسات لم يكن الديمقراطيون يؤيدونها في الماضي، فعلى سبيل المثال أصبح كل المشرحين تقريباً يدعمون فكرة التأمين الصحي المدعوم من الحكومة سواء كان ذلك يعني خيارًا عامًا أكثر اعتدالًا أو خطة أكثر تطرفًا مثل Medicare for All، إلى جانب فكرة إلغاء تطبيقات الهجرة والجمارك وغيرها من الأفكار التي تنطلق من نزعة يسارية وإن كان بعضها يتفاوت في حدته.

اليسار على خطى الإنجيليين

هل هذا يعني أن اليسار بات قريباً من قلب الطاولة على المعتدلين وإعلان نفسه حزباً تقدميا يسارياً، والجواب المبسط على ذلك هو أن الوقت لم يحن بعد، علينا أن نقرأ واقع اليساريين اليوم من منظور نموذج عمل سياسي مشابه ومختلف فكرياً بشكل جذري، وذلك مثلاً من خلال نموذج العمل السياسي للإنجيليين داخل الحزب الجمهوري، فالتهميش والتعطيل الذي يواجهه اليساريون اليوم في الانتخابات كما حصل مع ساندرز في ٢٠١٦ و٢٠٢٠ ومعه إليزابيث وارين سبق أن مر به الإنجيليون في السابق، فبدلا من أن يعادوا الحزب ويعلنون الحرب عليه عملوا على التغلغل فيه تدريجياً حتى أننا اليوم نجدهم يسيطرون على مناصب مهمة داخل الحزب بما فيها نائب الرئيس “مايك بينس” بعد أقل من ١٥ عامًا على إنشاء حركتهم داخله، كما أنهم اليوم يسيطرون على غالبية اللجان المركزية للحزب الجمهوري، فقد تحركت عام ٢٠١٦ قواعدهم ليس فقط من خلال الدعم المالي والسياسي بل من خلال نسبة غير مسبوقة من المشاركة في التصويت لمرشح الحزب بلغت ٨١٪، إضافة للعمل التطوعي الحزبي وهو أمر لم يسبق لهم أن قاموا به منذ دخولهم لمعترك السياسية، وهذا يعني أن اليسار سيعمل واضعاً في عين الإعتبار أن مسيرة تحويل الحزب بإتجاه اليسار أمر يتطلب الوقت والجهد والمال، مع قناعتهم بأن التغيير أمر حتمي لا إختلاف عليه خصوصاً مع التغير الديمغرافي للسكان بزايدة عدد الشباب المشارك سياسياً وعدد المشاركة من المهاجرين والأقليات إضافة لزيادة حدة الإنقسام بين يمين جمهوري محافظ ويسار أكثر إنفتاحا وطلباً للعدالة الإجتماعية وتوزيعاً عادلاً للثروات في نظام رأسمالي أصبح أكثر تغولاً كما يقولون وأكثر بسطاً للظلم الإجتماعي.

تأثير حركة “حياة السود مهمة”

إلا أن التحولات داخل الحزب لها تجليات أخرى مختلفة، لذلك نجد أن هناك سؤالاً دائماً ما يتبادر للذهن في الآونة الأخيرة عند الكثير من المتابعين والمراقبين للحراك المدني والسياسي في أمريكا والمتمثل في مدى تأثير حركة مثل” حياة السود مهمة” على الواقع السياسي داخل الحزب الديمقراطي، وكيف غيرت هذه الحركة الحزب وكيف ستغيره في الفترة القادمة، خصوصاً في ظل بعض المؤشرات التي ترى أن الحركة قد لا يكون لها داعمين ضمن كتلة السود الديمقراطي داخل الكونغرس الأمريكي، فلم يحظ مثلاً كل من المرشحين “جمال بومان” و “كوري بوش” المؤيدين للحراك بأي دعم من أعضاء التكتل بل على العكس أيدوا منافسيهم، الأمر الذي دفع البعض للقول بأن التكتل الحالي يتكون في الغالب من مجموعة من المعتدلين، ورغم الموقف غير الداعم لهم تمكن كل بومان وبوش من الفوز في الانتخابات التمهيدية في ولاياتهم مؤخراً الأمر الذي قرأه البعض على أنه يؤشر لإمكانية أن يحدث ذلك تحولا أو تغييراً داخل ذلك التكتل في العام المقبل؟

يقول “جمال بومان” حول ذلك أنه يعتقد أنه وكوري بوش سيعملان على نقل الصورة وواقع الناس كما هو وسيكشف الحقائق ويتحدث عن القضايا التي تهم الناس في المناطق ذات الأغلبية من ذوي الأصول الأفريقية، ويضيف “ما رأيناه في حملتنا من دعم ومشاركة كبيرة من الأشخاص الملونين والشباب هو أمر لم نشهده من قبل في منطقتنا، وأعتقد أن هذا أمر يتعين على الكتلة في الكونغرس والحزب الديمقراطي عمومًا الانتباه إليه. 

العديد من الأصوات الملونة من شباب الحزب والنجوم الصاعدين يرون أنه من المهم على أعضاء الحزب الإستمرار في دعم مطالب الشباب والملونين والتحدث من وجهة نظرهم بطريقة تلبي احتياجاتهم، والمحافظة على إستمرار إرث دعاة الحقوق المدنية ومنهم “جون لويس” الذي سعى لعقود طويلة أن يضمن أن يبقى تكتل السود في الكونغرس ضميراً له.

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: