العلاقات الدولية

انعكاسات سياسات ترامب الداخلية والخارجية على مستقبله السياسي

 بقلم: فاطمة الزهراء رمون

اختلفت سياسية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سلفيه باراك أوباما، حيث كرس اهتماماته حول الأمن داخلي وقضايا الاقتصاد على حساب القضايا الدولية، ولأن كل رئيس جديد للولايات المتحدة الأمريكية يتبنى توجهات ويحمل أهداف يسعى إلى تحقيقها خلال فترة رئاسته، وتعتبر تلك الأهداف جزء رئيسي من الإستراتيجية التي تعمل عليها إدارته .

وتميزت ولاية الرئيس دونالد ترامب بعدم الاتزان والتأرجح في سياساته تجاه الملفات الداخلية وعدم الاستقرار في سياسته الخارجية بدت علامة بارزة في سلوك إداراته منذ توليه السلطة في 20 يناير 2017 .

نحاول من خلال هذه الدراسة إبراز أهم التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها إدارة الرئيس ترامب وكيفية التعامل معها مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية نوفمبر 2020 .

فإن إشكالية هذه الدراسة انطلقت من طرحنا لسؤالين رئيسيين : ما هي الانجازات والإخفاقات الداخلية والخارجية التي حققتها إدارة ترامب في فترة رئاسته ؟، وما هي انعكاساتها على رصيده السياسي ليضمن البقاء لعهدة ثانية في البيت الأبيض ؟ .

وفي سعينا للإجابة عن هذين السؤالين اعتمدنا على المنهج الوصفي التحليلي لقدرته على وصف حيثيات الدراسة من خلال معرفة الإنجازات والإخفاقات الداخلية والخارجية التي حققتها إدارته على أرض الواقع ومن تم تحليل أبعادها ونتائجها ومدى تأثيرها على مستقبله السياسي، وكذلك استعنا بمنهج تحليل المضمون بهدف تحليل الخطابات والتصريحات ذات الصلة بمحاور الدراسة . 

أولاً- الإنجازات والإخفاقات الداخلية 

 نجاحات “ترامب ” على صعيد السياسة الداخلية تكمن في الملف الاقتصادي من خلال المؤشرات التى تبين تراجع معدل البطالة عند مستوى 3,7% كأقل مستوى له منذ السبعينات مع خلق وظائف، كما بلغ الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 20تريليون دولار يمثل 25% من الاقتصاد العالمي، كما أتخذ سياسية فعالة من أجل تحفيز الإنتاج الأمريكي لتغطية الاحتياج الداخلي بعد أن تعرضت السوق المحلية لمنافسة من المنتجات المستوردة خاصة من الصين  .

فالإنجازات التي حققها نلمسها من خلال الخطاب السنوي”حالة الإتحاد” 4 فبراير 2020، التي يشيد فيها بقوة الاقتصاد الأمريكي إذ يعتبر هذا الأخير أحد القنوات الرئيسية لمخاطبة الرأي العام ومن هنا يتبن أن الرئيس الأمريكي استثمر الخطاب كجزء لإطلاق حملة إعادة ترشحه.

رغم كل ما حققته ادارة الرئيس من نجاح لانتعاش الاقتصاد الأمريكي إلا أن هنا ك ملفات معقدة تقف كتحدي يواجه “ترامب ” ويتصدر هذه الإخفاقات :

1 – سوء تسييره لملف أزمة كورونا:

تعامل الرئيس الأمريكي مع أزمة انتشار فيروس كورونا من منطلق انتخابي وشخصي بحت ما أفقده القدرة على تسيير الأزمة، وقد اتسمت سياسات “ترامب ” للتعامل مع جائحة كورونا المستجد بالضعف والتخبط منذ بدايتها فمع انتشار الفيروس أخفقت إدارته في توفير المعدات الطبية الوقائية اللازمة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، والتي تعد ضرورية لمعالجة هذا الوباء بالإضافة إلى التقليل من شأن الفيروس حتى تفاقم وصولاً إلى دعواته بإنهاء سياسة التباعد الاجتماعي والعودة إلى العمل بالدولة بحلول الأسبوع الثاني من شهر أبريل 2020  .

رغم تحذيرات الوكالة الاستخباراتية الأمريكية مع بداية انتشار الفيروس داخل الصين من مخاطره العالمية واحتمالات انتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه قلل من خطره ووصفه بأنه” خدعة ” ديمقراطية جديدة لمحاولة عزله .

ركزت إستراتيجية “ترامب ” في التعامل مع انتشار الفيروس على إبقائه خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، ولتحقيق ذلك رفض البيت الأبيض منح تأشيرات للمسافرين إلى الصين وإلغاء الرحلات الجوية

ومنع المواطنين غير الأمريكيين الذين زاروا بكين مؤخرا من دخول الولايات المتحدة ولكن هذا الحظر لم يشمل الأمريكيين الذين كانوا قد سافروا إلى الصين بجانب الحجر الصحي للأمريكيين الذين زاروا مقاطعة هوبي الصينية لكن تلك السياسات لم تكن فاعلة في منع انتشار الفيروس داخل الولايات المتحدة الأمريكية 

ومع تفشي الفيروس وارتفاع عدد الإصابات والوفيات، حدث تحول في موقف إدارة ترامب  حيث أعترف بخطورة الأمر وأعلن حالة الطوارئ، وقانون الإنتاج الدفاعي الذي يسمح له بمطالبة الصناعات الكبرى بتحويل إنتاجها نحو الصناعة الأجهزة الطبية اللازمة لمواجهة هذا الوباء  وتوسيع نطاق الاختبارات وتوفير معدات الطبية للعاملين في مجال الرعاية الصحية، ووعد بمزيد من الإغاثة الاقتصادية للمتضررين من الأزمة، بالإضافة إلى ظهوره شبه يومي لتقديم إحاطات إعلامية من البيت الأبيض بحضور مسئولي القطاع الصحي حول جهود الإدارة في التعامل مع الجائحة الصحية .

رغم الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس إلا أنها جاءت متأخرة لأسابيع مما تسبب في إخفاقها في التعامل مع الأزمة إلى ما يلي:

– إنهاء مهام فريق الأمن الصحي العالمي والدفاع البيولوجي بمجلس الأمن القومي، ففي عام 2018 أمر الرئيس “ترامب ” مستشاره السابق للأمن القومي “جون بولتون ” بإنهاء مهام المجلس الذي أنشأه “باراك أوباما” على خلفية تفشي مرض الإيبولا، وعليه فقدت الولايات المتحدة الأمريكية الاستجابة الفاعلة للتعامل مع الجائحة .

– تخفيض المخصصات المالية للقطاع الصحي، وذلك في إطار سعي “ترامب “إلى تقليل الإنفاق على كثير من القطاعات الحيوية الأمريكية وكان يدعو إلى خفض مخصصات المالية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ولم تستثمر إدارته في رفع قدرات الحكومة الفيدرالية لاستجابة إلى تفشي الأمراض وقد أدى ذلك إلى عدم التأهب للأزمات الصحية الطارئة .

– نقص اختبارات لاكتشاف المصابين، بالرغم من إعلان “ترامب” أن أية شخص يريد إجراء اختبار فيروس يمكنه الحصول عليه وتوسيع الاختبارات في الأسابيع الأخيرة، فلا يزال العاملون في المجال الصحي والمصابين يشتكون في بعض الأحيان لا يحصلون على الاختبارات .

2 –  خطاب العنصرية والاحتجاجات الأمريكية 

منذ توليه السلطة في 20 يناير 2017، والرئيس “دونالد ترامب ” يعمل بقوة على تغذية الانقسام العرقي داخل الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لما تحتويه خطابات وتصريحاته إضافة إلى تغريداته عبر حسابه على تويتر مفردات عنصرية، تعزز من التعصب بين الأمريكيين وتتجلى أبرز ملامح خطاب الرئيس الأمريكي في انتقاداته بتغريداته في 15 يوليو2019  قائلا: ” من المثير للاهتمام أن نرى عضوات ديمقراطيات تقدميات بالكونغرس، أتين أصلا من بلدان تعتبر حكوماتها كارثية تماما، ومن بين الأسوأ أو أكثر فساداً وفقداناً للكفاءة في العالم، يتحدثن بصوت عال وبشراسة إلى الشعب الولايات المتحدة الأمريكية أعظم وأقوى دولة على وجه الأرض عن كيف يجب أن ندير حكومتنا “ 

وجه انتقادات لاذعة لعضوات بالكونغرس من الحزب الديمقراطي بعد تشكيكه في انتمائهم الأمريكي وقد طلب منهن العودة إلى بلدانهن الأصلية قائلا : ” إن رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي “، ستكون سعيدة للغاية  لترتيب سفر مجاني سريعا لهن ” . 

أثارت تغريدات ترامب انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي ومن قبل الصحافيين ومعلقين السياسيين، حيث علقت “ميغان ماكين “ابنة السيناتور الجمهوري الراحل” جون ماكين ” قالت “هذه عنصرية ” . 

وفي ظل استمرار استهداف أعضاء الكونغرس من أصول إفريقية، انتقد رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب “إيليا كامينجز ” المعارض للعديد من سياساته تجاه قضية الهجرة حيث وصف منطقته الواقعة في “بالتيمور ” بفوضى مثيرة للاشمئزاز وموبوءة بالفئران والقوارض . 

ومع اندلاع أعمال العنف في مدينة “شارلو تسفيل ” بولاية ” فيرجينيا ” يومي 11 و12 أغسطس 2017 بين المتظاهرين من القوميين البيض ومحتجين مناوئين لهم والتي أسفرت بمقتل شخص وإصابة الكثير عندما دهست سيارة أشخاص معارضين لمسيرة لليمين المتطرف صرح “ترامب ” بأن المسؤولية تقع على الطرفين وهو ما أدى إلى إثارة موجه غضب بين قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، التي أصبحت في تزايد منذ انتخابه .

ولم تكن العلاقات العرقية داخل الولايات المتحدة الأمريكية متوترة بهذا الشكل، ويرى الأمريكيون أن الرئيس الأمريكي يساهم في توتر العلاقات العرقية داخل المجتمع حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث في أبريل 2019 أن 56% من الأمريكيين يقولون أن “ترامب” جعل العلاقات العرقية داخل الولايات المتحدة الأمريكية أسوأ مما كانت عليه في السابق  .

استغلال الديمقراطيين الاحتجاجات الأخيرة ضد ترامب في الانتخابات للفوز بالدخول إلى البيت الأبيض التي ستجرى في نوفمبر 2020 حالة الغضب الأمريكي من تزايد جرائم العنصرية داخل المجتمع وخاصة عقب مقتل مواطن من أصل إفريقي ” جورج فلويد ”  على يد شرطي في ولاية مينيسوتا الأمريكية شهدت عشرات المدن في عدة ولايات احتجاجات واسعة سرعان ما تحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن .

وهذا ما أستغله الديمقراطيين لتوظيفه سياسيا ضد ترامب وخاصة  بعدما فشلوا في عزله في فبراير الماضي بواسطة مجلس الشيوخ، وهو ما دفعهم لمحاولة الانتقام من عجزهم باستغلال حادث ” فلويد ” لتحريك الشارع ضده، وفي نفس الوقت استثمار لمحاولة جذب أصوات الأمريكيين السود لصالحهم في الانتخابات ونلمس ذلك من خلال ما دعي إليه “جوبايدن”: مواجهة الظلم العنصري الذي يهدد بالعصف بكيان الأمة وقال أن الوقت قد حان لإلقاء نظرة فاحصة على الحقائق غير المريحة “.

 من المؤكد أن أحداث العنف سيكون لها تداعيات عديدة على الداخل الأمريكي إن لم تسعى مؤسسات قانونية في اتخاذ إجراءات  وأن تنأى هذه المؤسسات عن التجاذب الحزبي في معالجتها لهذه ظاهرة فإن مشكلات العرقية ستتراكم مع تحديات الاجتماعية و الصحية والاقتصادية .

ثانياً- الإخفاقات الخارجية 

توجه ترامب وتأثيره على منظمات الدولية 

ينطلق ترامب من عقلية قومية ويمجدها استناداً إلى مبدأ “أمريكا أولا “، ويعتبرها أساس التحرك في سياسته الخارجية وأن المصالح القومية فوق كل اعتبار .

أن تعامل الرئيس الأمريكي مع قضايا السياسة الخارجية يقوم على ربط بين كيفية انخراط واشنطن في قضايا العالم ومنطقة الشرق الأوسط تحديدا ومقدار المنافع الاقتصادية، التي يمكن تحقيقها غير مدرك أن المصالح السياسية والإستراتيجية ترتكز على مبدأ تبادل المصالح وليس على حسابات المنفعة المادية ومنطق الصفقة  . 

 تبنى ترامب الفكر الواقعي منهجا لترسيخ فكرة المصالح على القيم والمبادئ، وفي هذا الصدد هاجم العولمة التى يرى أنها أدت إلى تجاهل المصالح الوطنية الخاصة مشيرا أن المستقبل ” لا ينتمي إلى المنادين بالعولمة بل ينتمي إلى الوطنيين “.في 25 سبتمبر / أيلول 2018 قدم رؤيته لمستقبل النظام العالمي من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة مشيرا في خطابه ،” أن سياسة أمريكا المتمثلة في الواقعية القائمة على المبادئ تعني أننا لن نظل رهائن للمعتقدات القديمة والإيديولوجيات التي فقدت مصداقيتها “، من خلال تصريحاته يؤكد توجهه الواقعي مقابل التخلي عن المثالية التي تميزت بها إدارة “أوباما”، انعكس ذلك في طريقة تعامله مع المنظمات الدولية حيث يتنافس مع كافة الأطراف من دون تمييز مابين صديق أو عدو سعيا للفوز والهيمنة التي يرى فيها ضرورة لحماية المصالح الأمريكية .ويتضح ذلك من خلال تعامله مع الدول الأوروبية التي يعتبرها حليفا لمنظمة حلف الناتو وفي نفس الوقت خصما تجاريا.

وتكشف المتابعة لمواقف ترامب تجاه المنظمات الدولية على أنه يشن هجوما معلنا  على كافة المنظمات وينتقد آليات عمل معظمها ويدعو إلى إصلاحها على نحو ما يراه يحقق مصالح للولايات المتحدة الأمريكية يتبين ذلك من خلال انتقده لنسب توزيع حصص تمويل ميزانية منظمة الأمم المتحدة ،أشار إلى أن بلاده هي واحدة من أصل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة، ومع ذلك تدفع 22% من ميزانية بأكملها ما اعتبره عبئاً غير عادلاً من حيث التكلفة، كما عارض منظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” على توزيع نسب الإنفاق على الدفاع وحث الدول الأوروبية الشريكة في الحلف على زيادة إنفاقها على الدفاع إلى 2%من إنتاجها المحلي بحلول عام 2024 بجانب 20% من الإنفاق يكرس القدرات الاقتصادية . 

كما أنه أوقف أي تمويل مستقبلي لصندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2017، فضلا عن وقفه لتمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأنروا”.

فضلاً عن ذلك إعلان انسحابه من عدة تعهدات دولية منذ أن أدى اليمين في يناير 2017 تكريساً لمبدأ ” أمريكا أولاً “، الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ، الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ حزيران عام 2019، الانسحاب من اليونسكو في تشرين الثاني عام 2019، ترك اتفاقية إيران النووية في آيار عام 2018، الانسحاب من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2018 .

انسحاب الولايات المتحدة رسميا من منظمة الصحة العالمية 7 يوليو 2020 منفذا ترامب تهديه للهيئة الأممية على خلفية إدارتها للأزمة فيروس كورونا، وجاء في تغريد لسيناتور ” روبرت ميتديز ” أن الكونغرس تلقى إشعار بأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب ” سحب بلاده رسميا من منظمة الصحة العالمية في خضم الجائحة “.

الملفات الخارجية  التي فشلت إدارة ترامب في التعامل معها    

أداء إدارة ترامب فيما يتعلق بالملفات الخارجية قد يؤثر على حظوظ فوزه في الانتخابات القادمة نوفمبر   2020، فقد اتهمه العديد من منتقديه بتراجع الدور الريادي المؤثر للولايات المتحدة الأمريكية والإخلال بأعراف السياسة الخارجية الأمريكية وقلب موازين العديد من ملفات ونستعرض أهمها :

1 – الملف الكوري :

اختار ترامب الحوار مع كوريا الشمالية أملا في نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، لكن هذه الإجراءات والمساعي لم تقدم جديد كسابقتها من الملفات الساخنة رغم الاجتماع لمرتين مع رئيس كوريا الشمالية في سنغافورة 2018، فيتنام 2019، واعتبر ترامب أن توقف زعيم كوريا عن التجارب النووية هي قمة الإنجاز، مصرحا بأن ” المنطقة الآن أصبحت أكثر أماناً ” ليفاجئ “كيم جون أون” العالم بإشرافه على إطلاق صواريخ بالستية.

إن اجتماع “أون” مع ترامب قد أعطاه شرعية لدى واشنطن في حين أنه عاد إلى ما كان عليه من قبل وهذا ما يؤكد فشل الذي لحق بترامب في الملف الكوري، غافلت كوريا شمالية  إدارته باهتمامها بالانتخابات الأمريكية ليتبدل الموقف لديها من التماشي مع موجة نزع السلاح إلى التجارب النووية .

2 – ملف القدس :

  أعلن الرئيس الأمريكي عن اعتراف بلاده رسميا بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل في 6 ديسمبر 2019  وعليه خالف دونالد ترامب كل الإدارات الأمريكية السابقة حيث عارضت أمريكا إسرائيل سنة 1949 بجعل القدس عاصمة لإسرائيل، وأيضا لاقى ضم القدس لإسرائيل بعد حرب 1967 اعتراضا قويا من أمريكا، وتحفظ عليه كل مرشحون لرئاسة الولايات الأمريكية والالتزام به خلال حملاتهم الانتخابية مدركين بأن هذا القرار يخالف القانون الدولي ومن شأنه أن يؤدي إلى استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط، واقترحت الولايات المتحدة الأمريكية أن مستقبل القدس موضوع تسوية تفاوضية عملا بإمساك العصا من المنتصف بين العرب وإسرائيل، ولكن ترامب تجاوز  القواعد الدبلوماسية الأمريكية  متجاهلاً عرف الإدارات السابقة وأمر بنقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس 

بهذا التصرف فقدت واشنطن موقعها كوسيط يفترض به الحياد في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

3 – الملف الصيني :

يعتبر الملف الصيني ملف اقتصادي خالطته السياسة بدءاً من إشعال الرئيس الأمريكي حرباً اقتصادية على الصين، و ظهر ذلك في  مؤتمر قمة عشرين في طوكيو بمنعه بيع منتجات الشركات التكنولوجية الأمريكية لشركة “هواوي “، وادعى أن هذا الإجراء يؤثر على الأمن القومي الأمريكي مما أدى إلى هبوط الصادرات الصينية في أمريكا حيث يمثل المنتج الصيني في الداخل الأمريكي رقم واحد من حيث الواردات .

ونسبة عالية من التداول الانتشار لتهبط المنتجات بنحو 16% نتيجة التعريفة الجمركية التي فرضها ترامب على المنتجات الصينية، في حين أصدر أمر واجب النفاذ للشركات الأمريكية العاملة بالصين إلى الانسحاب من السوق الصيني رداً منه على فرض الصين من جهتها تعريفة جمركية  على المنتج الأمريكي بعد هذه القرارات من الجانبين نجد ترامب يغرد قائلاً ” لا يريد الصين وأننا أقوياء بدونهم ” من خلال هذه تغريده تتضح ضيق الأفق الاقتصادي والسياسي في التعامل مع قوة فاعلة في النظام الدولي. وتشهد العلاقات بين واشنطن وبكين تصعيد في التوتر بسبب الخلاف حول ” فيروس كورونا ” حتى أطلق عليه الرئيس الأمريكي ” الفيروس الصيني ” واتهمت الولايات المتحدة الأمريكية منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين .

4 – الملف الإيراني:

يعتبر الملف الإيراني من أعقد الملفات التى تعاملت معها إدارة الأمريكية الحالية وخاصة بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي المبرم سابقا، وأن معظم لقاءاته تؤكد خطورة إيران بالمنطقة ولكن لم تظهر له سياسة واضحة في تعامل مع هذا الملف ودليل على ذلك هو إسقاط إيران لطائرة أمريكية بدون طيار ورد في تصريح   علني متوعدا بضرب إيران مباشرة، ولكنه سحب ذلك التصريح قائلا ” لقد وجدت أنني سأقتل العشرات بقراري هذا، فكيف نقتل العشرات نتيجة لإسقاط طائرة مسيرة” 

نلمس من خلال تصريحاته المتضاربة في التعامل مع طائرة أمريكية سقطت تبلغ كلفتها 121 مليون دولار والتى تعد جانبا من المكايد الإيرانية بالمنطقة . وقد برز أيضا في تلك المكايدات الإيرانية ملف مضيق هرمز والتحكم فيه، نجد ترامب يصرح ” بأنه لن يسمح بالتمدد الإيراني بالمنطقة “، كل هذه التصريحات والتراجع عنها تؤكد  تخبط ترامب في التعامل مع الملف الإيراني 

ثالثاً- نتيجة إخفاقات إدارة ترامب على مستقبله السياسي 

بينت الدراسة أن الإخفاقات الداخلية والخارجية غطت على الإنجازات الاقتصادية التي حققتها إدارة ترامب وكان لها أثر سلبي في تراجع شعبيته و ثقة الأمريكيين به خصوصا في ظل  تداعيات جائحة كوفيد 19 وارتفاع نسبة الوفيات إلى 100 ألف حالة تشير استطلاعات الرأي إلى رفض ما يزيد عن نصف الأمريكيين الذين تشملهم تلك الاستطلاعات طريقة تعامل الرئيس مع تفشي فيروس كورونا وعلى عكس التوقعات التى كانت تشير إلى أن فرص الرئيس للفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة قوية بعد أن حقق مكاسب على الصعيد الاقتصادي، والتي كانت محور خطابه في حالة الإتحاد أمام الكونغرس فقد قللت سوء إدارته  للجائحة كورونا فوزه لعهدة ثانية في مقابل ارتفاع نسب تأييد “جو بايد” منافسه الديمقراطي. كما أن الاحتجاجات وتبعاتها كان لها تأثير مباشر في انخفاض شعبية ترامب، وينتقل بذلك من حيز الثقة بالفوز في الانتخابات المقبلة إلى حيز القلق ثم بات يتحدث عن احتمالات خسارته في الانتخابات ويرجع ذلك إلى التصويت عبر البريد الذي يدعمه الديمقراطيين حيث قال في مقابلة مع صحيفة ” واشنطن تايمز” “التصويت عبر البريد الاحتمال الوحيد الذي يمكن أن يجعلني أخسر لأنهم يخدعون وينهبون يسرقون يقصد الديمقراطيين، لأنهم لا يرسلون بطاقات الاقتراع إلى بعض الأماكن ولاسيما المناطق الجمهورية “.

لم تبد إدارة الرئيس دونالد ترامب اهتماماً بتوحيد الجهود الدولية لتوفير الاستجابة العالمية للتعامل مع فيروس كورونا عملا بمبدأ ” أمريكا أولاً”، والرغبة في التقليل من الالتزام الأمريكي بالعمل الدولي الذي كانت تقوده منذ سبعة عقود من خلال المنظمات الدولية فمع اشتداد جائحة دولياً وانتظار المجتمع الدولي قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للجهود الدولية للاستجابة للأزمة الفيروس التي هددت الصحة والاستقرار والأمن الدوليين غاب الدور الأمريكي وانسحب من منظمة الصحة العالمية .

مما سبق ذكره نستنتج أن حالة التضارب وعدم التناسق في قرارات السياسة الخارجية الأمريكية  وافتقارها إلى الحنكة والموضوعية سيكون لها انعكاسات سلبية ليس فقط على مستقبل ترامب السياسي، واستغلال خصومه لهذه الثغرات للإطاحة به، وإنما سيكون له تبعات على النظام الدولي لما تتمتع به الولايات المتحدة الأمريكية من ثقل على الساحة الدولية .كما أشار منظر السياسي “هنري كيسنجر ” على أن إخفاقات إدارة ترامب في الحفاظ على قوة مكانة الأمريكية وتأثيرها السلبي على صورة ومنزلة أمريكا في الشأن العالمي يدل أيضاً على أنها نهاية عصر القائد الأمريكي الذي يقود العالم في الساحة العالمية، وهناك قوى التي أصبحت أكثر شعبية أو أكثر فعالية وأجدر على إمساك بزمام الأمور عالمية في ظل أفول الأمريكي في عهد ترامب.

 فبموجب السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب تمكنت الصين من لعب دور فاعل في مجال الاستثمار والتجارة الدولية ،هذه المعطيات رغم أهميتها فإنها قد  لا تحسم الأمر بعدم فوزه في الانتخابات القادمة لإمكانية ظهور مفاجآت قادمة قد تخلط الأوراق .

المصدر: المركز العربي للبحوث و الدراسات

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: