دراسات النظام السياسي

صحة “بايدن” ومزاجية “ترامب”: قراءة في شواغل واتجاهات الناخب الأمريكي حيال الانتخابات الرئاسية

بقلم: د. عزة هاشم

يصعب الحديث عن العوامل النفسية التي تُشكّل اتجاهات الجماهير حيال العملية الانتخابية بشكل عام، ليس فقط لتشابكها، وإنما أيضًا لما يُمارسه عامل الفروق الفردية من تأثير حاسم في هذا الصدد، هذا بالإضافة إلى الحالة المزاجية العامة المتزامنة مع توقيت إجراء الانتخابات. بل نجد أن هناك دراسات ربطت بين حالة الطقس والتصويت لمرشح بعينه أو الإقبال على الانتخاب بشكل عام. وعندما يتطرق الحديث إلى الناخب الأمريكي وتوجهاته، نجد هناك العديد من العوامل المميزة للشخصية القومية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالانتخابات والعملية السياسية بشكل عام. ولعل ما حدث في انتخابات عام ٢٠١٦ التي انتهت بفوز الرئيس “دونالد ترامب”، مثّل ضربة قاصمة لكافة التوقعات حول اتجاهات الناخب الأمريكي وتفضيلاته وشواغله، وألقى بظلال من الشك والتساؤل حول فعالية استطلاعات الرأي العام في التنبؤ بنتائج العملية الانتخابية. أيضًا وضح أهمية العوامل النفسية والمزاجية اللحظية في التحكم في اتجاهات الناخبين حيال العملية الانتخابية.

تلك الشواغل ألقت بظلالها على الانتخابات الحالية، حيث أصبح التعامل مع نتائج استطلاعات الرأي أكثر حذرًا، وتزايدت حالة انعدام اليقين. وبالنظر إلى شواغل واتجاهات الناخب الأمريكي في الوقت الراهن، نجد أنها قد اختلفت كثيرًا عن شهور قليلة مضت، وتبدو بوضوح تبعات انتشار فيروس كورونا المستجد، والاضطرابات التي تلت مقتل “جورج فلويد”. وفي ظل محاولات الإنقاذ والنجاة التي يبذلها “ترامب” ومحاولات الفوز والرهان التي يبذلها “بايدن”؛ يبدو انقسام الشارع الأمريكي أكثر وضوحًا، والنتائج أيضًا أكثر ضبابية. وكل ما يتم طرحه في هذا الشأن عبارة عن محاولات استشراف حذرة يصعب حسم أي منها في الوقت الراهن.

تستند دراسة آراء الناخبين في الحملة الرئاسية 2020، التي تشمل آراء المرشحين والأحزاب، وأهمية القضايا والمخاوف الرئيسية بشأن التصويت وسط تفشي فيروس كورونا؛ إلى نتائج استبيانين قوميين أجراهما مركز بيو للأبحاث Pew Research Center، واستطلاع تم إجراؤه خلال الفترة من 27 يوليو إلى نهاية شهر أغسطس الماضي، وشمل: 11001 بالغ، ومسح آخر منفصل أُجري خلال الفترة من 23 يوليو إلى نهاية أغسطس، على الهواتف المحمولة والخطوط الأرضية، وشمل 1750 بالغًا، من بينهم 1455 ناخبًا مسجلًا. وفيما يلي قراءة في أهم النتائج التي تم التوصل إليها في هذا الصدد، ودلالتها فيما يتعلق بشواغل واتجاهات الناخب الأمريكي حيال الانتخابات الرئاسية.

الاستقطاب والقلق

يعاني الأمريكيون في الوقت الراهن من تداعيات وتبعات انتشار فيروس كورونا الذي أودى بحياة أكثر من 160 ألف أمريكي ودمر اقتصاد البلاد، ويسيطر عليهم شعور بانعدام الاطمئنان حيال المستقبل بشكل عام، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الإقبال على التصويت. فقد قرر فقط نصف الناخبين المسجلين في الولايات المتحدة (50٪) أنه سيكون من السهل جدًّا أو إلى حد ما التصويت في الانتخابات المقبلة، بينما تتوقع النسبة نفسها تقريبًا (49٪) مواجهة صعوبات في الإدلاء بأصواتهم. ويُعد هذا تغييرًا جوهريًّا مقارنة باتجاهات الجمهور الأمريكي في أكتوبر 2018، قبل وقت قصير من انتخابات التجديد النصفي لذلك العام، عندما قال 85٪ من الناخبين المسجلين إنه سيكون من السهل عليهم التصويت. من جهة أخرى، تمثل الفترة الراهنة واحدة من الفترات التي تشهد درجة عالية من الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة. ولا يقتصر هذا الاستقطاب على السياسيين وإنما يمتد أيضًا ليشمل الجمهور.

على سبيل المثال، في عام ١٩٦٠ قال ٤٪ فقط من الديمقراطيين إنهم سيصابون بخيبة أمل إذا تزوج طفلهم من شخص من الحزب السياسي الآخر، وفقًا لدراسة أجراها الاتحاد الجامعي للبحوث السياسية والاجتماعية. ولكن بحلول عام ٢٠١٨، أفاد ٤٥٪ من الديمقراطيين و٣٥% من الجمهوريين بأنهم لن يكونوا سعداء إذا فعل طفلهم الشيء نفسه، وذلك وفقًا لمسح أجراه معهد أبحاث الدين العام (PRRI). وتوالت مؤخرًا الدراسات والمقالات التي تفصل كيف يسيء الديمقراطيون والجمهوريون فهم بعضهم بعضًا، وتصاعد الصور النمطية لدى كل طرف عن الطرف الآخر. وتتعدد المفارقات الأخرى حول الناخب الأمريكي، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنه من المرجح أن تصف شريحة عريضة من الأمريكيين أنفسهم بأنهم مستقلون سياسيون، بينما هم أكثر ميلًا إلى تبني وجهات نظر سياسية متطرفة. ويقول ما يقرب من نصف البالغين الأمريكيين، و59٪ من جيل الألفية، إنهم مستقلون، بينما اتجاهاتهم الحقيقية تفيد بمزيد من التطرف.

“لأنه ليس ترامب”.. دافع رفض البديل

لعل العلامة المميزة لاتجاهات الناخب الأمريكي حيال انتخابات 2020 تتمثل في بروز اتجاه رفض المرشح المعارض، بل إن نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه “مركز بيو للأبحاث”، أشارت إلى أنه عندما طُلب من أفراد العينة شرح الأسباب الرئيسية وراء دعمهم لجو بايدن أو دونالد ترامب بكلماتهم؛ فإن أنصار بايدن كانوا أكثر ميلًا بكثير من مؤيدي ترامب للقول بأن معارضة المرشح الآخر هي العامل المحفز الرئيسي لاختياراتهم، فقد قرر 56٪ من الناخبين المسجلين الذين يدعمون بايدن وأولئك الذين يميلون إلى دعمه أن السبب الرئيسي لدعمه هو “أنه ليس ترامب”، بينما أشار 19٪ فقط من مؤيدي ترامب إلى معارضة بايدن كدافع رئيسي لاختيارهم. تركيز مؤيدي بايدن الكبير نسبيًّا على التصويت ضد ترامب، وتركيز مؤيدي ترامب الكبير نسبيًّا على عوامل أخرى؛ يُمثّل تغيرًا عما كان عليه الأمر قبل أربع سنوات. في عام 2016، قالت نسب متطابقة تقريبًا من مؤيدي ترامب (33٪) وأنصار كلينتون (32٪) إن معارضة المرشح الآخر كانت عاملًا رئيسيًّا في اختيارهم المحتمل للتصويت.

وعلى الرغم من أن مؤيدي بايدن أكثر مقارنة بمؤيدي ترامب للاستشهاد بمعارضة المرشح الآخر كسبب رئيسي لتصويتهم، فإن الحزبية عامل أكبر لمؤيدي ترامب. على سبيل المثال، يقول 16٪ من الناخبين الأمريكيين الذين يدعمون ترامب إن السبب الرئيسي لدعمهم له هو دعم الجمهوريين أو معارضة الديمقراطيين، وتشير نسبة أقل من مؤيدي بايدن (7٪) إلى الحزبية باعتبارها السبب الرئيسي لتصويتهم، وهو اتجاه لافت للانتباه.

الحيرة بين مزاجية “ترامب” وصحة “بايدن”

في استطلاع مركز بيو للأبحاث، قال 13٪ من ناخبي بايدن إنهم يدعمونه بسبب شخصيته. كان هذا مجرد تفوق طفيف على ترامب، الذي جعل 11٪ من ناخبيه يستشهدون بشخصيته واستعداده “لقول الأمر كما هو” كسبب رئيسي للتصويت له، ولكن يبدو أن مؤيدي بايدن أكثر قلقًا حيال عمره وصحته مقارنة بمؤيدي ترامب، حيث يرى ما يقرب من ثلث مؤيدي بايدن (31٪) أن عمره أو صحته هي ما يُقلقهم حياله، أكثر بكثير من النسب التي تشير إلى قضيته أو مواقفه السياسية (15٪) أو مخاوف أخرى. من جهة أخرى، أعرب 1٪ فقط من مؤيدي ترامب عن مخاوفهم بشأن عمره أو صحته، وذلك على الرغم من أن العديد من مؤيدي بايدن يشيرون إلى الأعمار المتشابهة للمرشحين (يبلغ ترامب حاليًا 74 عامًا بينما يبلغ بايدن 77 عامًا). ويبدو هنا تأثير الإعلام بوضوح، فتصاعد الحديث عن عمر بايدن وحالته الذهنية في وسائل الإعلام ساهم بصورة ملحوظة في إثارة قلق مؤيديه بصورة أكبر مقارنة بمؤيدي ترامب، على الرغم من أن فارق العمر بينهما لا يتجاوز ثلاث سنوات. أيضًا عندما سُئلوا عما يثير قلقهم، بشأن مرشحهم المفضل، أعرب ربع الناخبين المسجلين الذين يدعمون ترامب عن مخاوفهم بشأن مزاجه أو شخصيته، وعبر 13٪ من مؤيدي ترامب عن شعورهم بالقلق على وجه التحديد من أنه “يتحدث دون تفكير أو يكون شديد التوتر”، وذكر 25٪ جانبًا من مزاجه باعتباره مصدر قلقهم الأكبر.

تباين الأولويات والتفضيلات

الاقتصاد هو القضية الأهم بالنسبة للناخبين. تقول أغلبية كبيرة من الناخبين المسجلين (79٪) إن الاقتصاد سيكون مهمًّا للغاية في قرارهم بشأن من يصوّتون؛ وتقول نسبة أقل (68٪) إن الرعاية الصحية هي الأهم، وإن التعيينات في المحكمة العليا (64٪) وتفشي فيروس كورونا (62٪) هي قضايا مهمة للغاية. ويشير مؤيدو ترامب بأغلبية ساحقة إلى الاقتصاد باعتباره قضية مهمة للغاية (88٪)، في حين أن الغالبية العظمى من مؤيدي بايدن يقولون إن الرعاية الصحية (84٪) وتفشي فيروس كورونا (82٪) مهمان جدًّا لتحديد اتجاه تصويتهم. ويرى الناخبون المسجلون بشكل عام أن الحزب الجمهوري، وليس الحزب الديمقراطي، يمكنه القيام بعمل أفضل في الاقتصاد. ويحتل الحزب الديمقراطي زمام المبادرة على نطاق واسع في العديد من القضايا الأخرى، بما في ذلك تغير المناخ والإجهاض ومنع الحمل، والرعاية الصحية، والقضايا المتعلقة بالعرق، والتعامل مع آثار تفشي فيروس كورونا على الصحة العامة. ويقول ما يقرب من نصف الناخبين (47٪) إن الحزب الديمقراطي يمكن أن يقوم بعمل أفضل في التعامل مع تأثير تفشي فيروس كورونا على الصحة العامة، مقارنة بـ35٪ ممن قالوا إن الحزب الجمهوري يمكن أن يكون أفضل.

الاهتمام بسمات الشخصية

تلعب تقييمات الناخبين الأمريكيين للسمات الشخصية للمرشحين دورًا مهمًّا في تشكيل خياراتهم في صناديق الاقتراع. خلال العقود الأربعة الماضية أظهر الكثير من العمل أن التصورات الخاصة بسمات المرشحين الرئاسيين (القيادة، والتعاطف، والجدارة بالثقة، وما شابه) يمكن أن تؤثر على السلوك الانتخابي. وعلى الرغم من تباين الآراء حول حجم تأثير شخصية المرشح؛ إلا أن هناك إجماعًا على أنها تلعب دورًا. ويميل الناخب الأمريكي بشكل عام إلى المرشحين الذين يتمتعون بقدر معين من جاذبية المشاهير. في الحملة الرئاسية لعام 1980، سأل أحد المراسلين رونالد ريغان كيف يمكن لممثل أن يترشح لمنصب الرئيس، فرد ريغان بجملته الشهيرة: “كيف لا يكون الرئيس ممثلًا؟”.

الحقيقة أنه في كل دورة انتخابية يحاول منظمو استطلاعات الرأي قياس إلى أي درجة يجد الناخبون المرشح محبوبًا وما إذا كان يتمتع بالسمات الشخصية التي يبحث عنها الناخبون عادةً في الرئيس. وعلى الرغم مما أشير له مسبقًا من أن معارضة ترامب تمثل سببًا رئيسيًّا لدعم بايدن، ذكر 19٪ قيادة بايدن و13٪ ذكروا أداءه أو شخصيته. ويعدد بعض مؤيدي بايدن سمات شخصيته التي هي سبب في دفعهم لترشيحه. كما كتب أحد مؤيدي بايدن البالغ من العمر 41 عامًا: “أعتقد أن لديه ثباتًا أخلاقيًّا أقوى، وهو أكثر لطفًا، وسيفكر قبل أن يتحدث أكثر من رئيسنا الحالي”. كما عبرت نسبة كبيرة نسبيًّا من مؤيدي ترامب (14٪) عن مخاوفهم من سمات شخصيته المتقلبة. ويقول البعض إن ترامب يقضي الكثير من الوقت أو يركز كثيرًا من انتباهه على تويتر، بينما يقلق آخرون بشأن المحتوى الذي ينشره. وكتب أحد المؤيدين في الغرب -يبلغ من العمر 47 عامًا- أنه قلق بشأن “تغريداته، إنه لا يفكر قبل أن يغرد”، ويصف العديد من الآخرين استخدامه لتويتر بأنه “غير ناضج” أو”طفولي”.

وعلى الرغم من وجود العديد من استطلاعات الرأي والدراسات التي ترجح أن شخصية الرئيس هي العامل الحاسم في التصويت؛ إلا أن هناك العديد من الرؤى أيضًا التي ترى أن الناخبين لا يتحركون في الغالب مدفوعين بجاذبية شخصية المرشح، وإنما هم مدفوعون أكثر بقضايا السياسة التي تؤثر على حياتهم بشكل مباشر، أو التهديدات الخارجية، وهو ما يدلل عليه استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بيو مؤخرًا والذي توصل إلى أن الاقتصاد كان أهم قضية للناخبين المتجهين إلى انتخابات 2020، تليها الرعاية الصحية، ولطالما كان ترامب يتفوق على بايدن في الكيفية التي يعتقد بها الناخبون أنه سيتعامل مع الاقتصاد، بينما يتمتع بايدن بميزة في التعامل والاهتمام بقضايا الرعاية الصحية.

في النهاية، يبدو التباين الواضح بين الناخبين الأمريكيين المؤيدين لترامب مقارنة بمؤيدي بايدن، ولعل أبرز سمة في هذا الاتجاه هي أن مؤيدي بايدن أكثر عددًا، ومؤيدي ترامب أكثر قوة، وتبدو قوة التأييد هنا عاملًا حاسمًا بالنظر إلى ما أظهرته استطلاعات الرأي من ميل مؤيدي ترامب للحضور إلى مقرات الانتخاب للإدلاء بأصواتهم، وهو الإقبال الذي يبدو باهتًا لدى مؤيدي بايدن الذين يدافعون عن إمكانية استخدام صناديق البريد للتصويت، هذا الاتجاه يضفي الكثير من الارتباك على إمكانية التنبؤ بنتيجة حاسمة حيال الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، فلا جدوى من التأييد واسع النطاق لبايدن إن لم ينعكس في الإقبال على صناديق الاقتراع.

المصدر: المركر المصري للفكر و الدراسات الإستراتيجية

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: