خطاب ترامب والشعبوية القومية

خاص بالمركز العربي للدراسات الأمريكية
بقلم: سحمي الغامدي – باحث في الإتصال والخطاب السياسي.
يرى الكثير من المتخصصين في عالم السياسة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة فريدة من نوعها خصوصاً في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث، الكثير من الانتهاكات حدثت لأعراف وبروتوكلات الحملات الرئاسية من قبل حملة الرئيس ترامب والتي خلقت حالة من الاضطراب والتشويش في السياسة الأمريكية خصوصاً في القواعد المعمول بها للتواصل مع الناخبين. تقول جينيفر ميرسيكا وهي مؤلفة كتاب ” Demagogue For President: The Rhetorical Genius of Donald Trump” في وصفها لحملة ترامب الإنتخابية بأنها “التمزيق السياسي” والتي تتمثل في كسر الخطاب التقليدي للحملات الرئاسية وخلق نموذج مختلف للرئاسة الأمريكة التقليدية. واضافت ماري ستوكي أستاذ علم الأتصال في جامعة ولاية بنسلفانيا إلى أن ترامب خلق حالة جديدة ومختلفة في المشهد السياسي الأمريكي.
خلال حملة الأنتخابية في العام 2016 اقترف ترامب الكثير من السقطات في خطاباته الانتخابية وتوقع الكثير أن هذه الزلات سوف تنهي حملته, فقد رصد مايكل كروس وهو كاتب في صحيفة Politico, 37 سقطة كارثية في سبتمبر 2016 كان من الممكن أن تنهي مسيرة ترامب الأنتخابية وهو الأمر الذي لم يحدث. زلات ترامب في خطاباته لم تتوقف حتى أن الكثير من النقاد توقع عدم فوزه في السباق الرئاسي ولكنه أتضح أن عامة الناخبين لا يكترثون لهذه السقطات الخطابية. لاحقاً اتضح أن هذه السقطات لعبت دوراً في جذب شريحة كبيرة من الناخبين لترامب هذه الشريحة متمثلة في الملايين من الامريكيين الذين يشعرون بالتهميش والعزلة وعدم الاحترام من قبل النخب السياسية, هذه الشريحة التي تشعر بالحنق تجاه هذه النخب وجدت في ترامب القائد الذي منحها فرصة للتعبير عن قلقهم وقضياهم. رصدت كاتي تور والتي عملت مراسلة لشبكة ان بي سي الكثير من اللحظات الحاسمة والتي كادت تنهي ترامب في سباقه لمنصب الرئيس, ولكن انصاره والذين وصلوا لحالة من الحنق تجاه واشنطن والإعلام والارهاق من الانتظار, هذه الحالة جعلتهم يتغاضون عن الكثير من السقطات التي اقترفها ترامب والذي يعلمون أن فيه الكثير من العيوب ولكن اعتقادهم الاكبر أنه يقف في صفهم يرون فيه القائد المنقذ. هذا الترابط العاطفي بين ترامب وأنصارة كأن عاملاً حاسماً في أنتصار ترامب والوصول للرئاسة.
هذه العاطفة والحماسة من قبل أنصار ترامب تجعلنا نفكر بعمق في مدى تأثير خطاب ترامب. هناك ادعاء من قبل المتخصصين في الخطاب “rhetoric” بأن ترامب استخدم خطاباً شعبوياُ أثار عاطفة أنصاره (تمثل الطبقة العاملة من البيض الشريحة العظمى) والذين كما ذكرنا لم يحظوا بالأهتمام والأحترام من النخب السياسية. ولتفسير هذا الادعاء يجب علينا فهم مكوناته, الخطاب ” rhetoric” والشعبوية “populism”
الخطاب ” Rhetoric”
يوجد ارتباط عميق لمفهوم الخطاب في التاريخ الغربي, لذلك هناك الكثير من المعاني المتداخله للخطاب فهو يعني: ممارسة الخطابة, دراسة استراتيجيات الخطابة المؤثرة, استخدام اللغة للإخبار أو الأقناع, دراسة التأثيرات الاقناعية للغة, وأخيراً دراسة العلاقة بين اللغة والمعرفية. ولكن ليس في هذه القائمة ما يوصلنا إلى التعريف الدقيق للخطاب والذي يعتبر مجال مركب من مجالات المعرفة. للخطاب قوة تأثيره في الشأن العام منذ القرن الخامس قبل الميلاد من خلال ارتباطه بالديموقراطية الاغريقة. ساهمت هذه القوة للخطاب في ازاحة الأنظمة الأستبدادية, تحديد السياسة العامة, وكذلك تشريع القوانين. ولذلك وجد أن التعريف الاقرب للخطاب أنه فن الإقناع. يقول جيمس مارتن في كتابه ” Politics & Rhetoric” أنه من الصعب تخيل السياسة من دون الاقناع والمتمثل في الخطاب. قوة الأقناع لها تأثير حاسم في تحديد الخيارات المتاحة وبالتالي أتخاذ القرارات. والاقناع هو عملية تجعلنا نعطي موافقتنا او عدمها بإرادتنا تجاه رأي معين أو قضية ما, وبالتالي الاقناع يتطلب استقلالية في الحكم وقدرة على تقييم الخيارات المتاحة ومن ثم أتخاذ القرار. وبذلك يتضح لنا أهمية الخطاب كأدة أقناعية لها دور فعال وحاسم في تغيير وجهات النظر وبتالي كسب المؤيدين.
الشعبوية ” populism”
في المفهوم العام “الشعبوية” مصطلح سياسي متداول يستخدم في وصف الأطراف المعارضة. فمثلاً في أمريكا اللاتينية يوصف اليساريون بأنهم شعبويون, وفي أوروبا هذا الوصف يطلق على الأطراف اليمينية, أما في أمريكا فهذا الوصف متاح لجميع الأطراف اليمينية واليسارية. والحقيقة أن “الشعبوية” كمصطلح سياسي خرج عن سياقه حيث أن الشعبوية ترتبط باليبرالية الديموقراطية. هذا النوع من الديموقراطية يمثل صوت الشعب. لذلك هناك انتقادات تجاه هذا المصطلح في سياقه الحالي لاعتبارين مهمين: الأول, أن المصطلح يستخدم وبشكل فج لشيطنة الطرف المعارض. والثاني, أنه ضبابي مبهم وبالتالي يمكن اطلاقه تجاه اي طرف أو شخصية سياسية. لذلك من النادر جداً أن نجد طرف سياسي سواء كان احزاب, جماعات, او حتي شخصيات تسمي نفسها بالشعبية, إنما هو وصف يحمل دلالات سلبية يطلقها الطرف الآخر المعارض. في الواقع هناك عدم أتفاق على تعريف “الشعبوية” وسماتها. فالشعبوية بمفهومها الحالي تعتبر جاذبة للعامة “الشعب” ومن جهة أخرى مستنكرة من النخبة. وفقاً لذلك يمكن تعريف “الشعبوية” كايدلوجية ضعيفة المركز تعتبر المجتمع مقسم الي معسكرين متجانسين ومتضادين, الشعب الطاهر ضد النخبة الفاسدة, لذلك يجب أن تكون السياسة تعبيرعن ايرادة الشعب.
الولايات المتحدة الأمريكية لديها تاريخ طويل مع التعبئة الشعبوية تعود إلى القرن التاسع عشر. الحركات الاجتماعية كان لها دور في تحديد سمات الشعبوية في غياب وضعف القيادة المركزية والمنظمات. في نهاية القرن التاسع عشر مرت الولايات المتاخمة للحدود بتحولات اقتصادية وأجتماعية. تطور البنية التحتية, نظام السكك الحديدية كمثال, وكذلك التغيرات الاقتصادية مثل صك الفضه كان لها تأثير كبير على المناطق الريفية. المزيج بين الزراعة كحركة أجتماعية سياسية والشعبوية اتاحت المجال لما سمي في أواخر القرن التاسع عشر بشعبوية البراري. هذه الحركة الإجتماعية اعتبرت الشعب هم المزارعون الذين يتحملون مسؤلية أنتاج احتياجات المجتمع من طعام وملابس, في المقابل أعتبرت النخبة كمجموعة من المصرفيين والسياسيين الذين ليس لهم هم سوى فرض القروض والتي انهكت المزارعين وسلبت منهم إنتاجهم. تلت هذه الحركة مجموعة من الاحزاب الشعبوية والحركات والتي اقتصر تأثيرها على المستوى المحلي ولم يكن لها حضور سياسي على المستوى القومي.
بداية فترة الحرب الباردة كانت نقطة تحول في مفهوم الشعبيوية والتي اصبحت مناهضة للحراكات الشيوعية. انعدام الأمن ورفض التوجه اليساري داخل التيار الامريكي المحافظ, وكذلك إنعدام الرؤية للحركات اليمينية ساهم في تحول الشعبوية الأمريكية من تقدمية في المقام الأول إلى رجعية في المجمل. في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ظهرت حركات شعبوية أخذت على عاتقها مواجهة الظلم الأجتماعي المرتبط بالركود العظيم والذي حدث بين عام 2007 و 2009. هذه الحركات عارضت بقوة عمليات الإنقاذ للبنوك والتي بدأت في إدارة بوش الأبن واستكملت في إدارة باراك اوباما. الحركات الشعبوية الجديدة مثلت الجانب المناقض لشارع وول استريت الفاسد حسب اعتقادها.
ترامب وثورة الخطاب السياسي
من خلال ما سبق ذكره حول أهمية الخطاب كوسيلة إقناعية حاسمه في التأثير على الجماهير وتغيير قناعاتهم في اتجاه معين قد يبدو من الوهلة الأولي في صالح تلك الجماهير ولكنه ايضاً يخدم مصالح الخطيب, فالخطاب يحمل في طياته مجموعة من الادعاءات وأنصاف الحقائق تقود الجماهير في اتجاه يصب في مصلحة السياسي إذا ما استخدم الخطاب بطريقة جاذبة لتلك الجماهير. وهذا ما فعله ترامب والذي كان هدفه الطبقة العاملة من البيض والتي كانت مهمشة من قبل النخب السياسية في الفترات السابقة, هذه الطبقة شكلت القوة الناخبة والتي ساهمت في حسم السباق الرئاسي لصالح ترامب. هذه الطبقة تمثل الشعبوية الحديثة بمفهومها الحالي والتي اصبحت ضد كل شيء يصب في مصلحة النخب السياسية. لقد عرف ترامب كيف يخاطب هذه الفئة بعيداً عن الخطاب السياسي التقليدي, لقد خاطبهم بمفهم الرجل الأبيض العادي الذي ضاق ذرعاً من عجرفة النخب السياسية. عرف ترامب كيف يثير حماسة هذه الجماهير والتي اعتبرته القائد المنقذ المنتظر الذي يعبر عنهم وعن قضاياهم ومخاوفهم بلغتهم وبالطريقة التي يفهمها الناخب العادي وهذا ما كان غائباً عن غيره. لقد أثار ترامب مخاوف أنصاره تجاه المهاجرين غير الشرعيين في ظل ارتفاع نسبة البطالة, لقد تعهد بحماية حقهم في حمل السلاح والذي يكفله لهم الدستوري من خلال التعديل الثاني والذي لا يخلو خطاب له من ذكره منذ ترشحه في الفترة الأولى وحتي الآن. لقد احدث خطاب ترامب ثورة في الخطاب السياسي فقد كسر كل القواعد المتبعة في الخطاب الانتخابي التقليدي. لقد اصبح خطابه نموذج للخطاب الشعبوي الجاذب لرجل الشارع, لقد ذهب ترامب بخطابه إلى الناخب الأمريكي المنهك من التهميش ومن فساد النخب السياسية. فترة ترامب الرئاسية الأولي سوف تكون علامة فارقة في التاريخ السياسي الأمريكي.
المصادر:
“The Populist and Nationalist Roots of Trump’s Rhetoric” by Robert C. Rowland
“American Elections and the Rhetoric of Political Change: Hyperbole, Anger, and Hope in U.S. Politics” by Mary E. Stuckey
“The 37 Fatal Gaffes That Didn’t Kill Donald Trump” by Michael Kruse and Taylor Gee
“The Rhetorical Tradition Reading from Classical Times to the Present” by Patricia Bizzell and Bruce Herzberg
Politics and Rhetoric: A Critical Introduction by James Martin
“Populism: A Very Short Introduction” by Mudde, Cas, and Cristóbal Rovira Kaltwasser
“Presidential Rhetoric and Populism” by Çinar, Ipek, et al

