العلاقات الدولية

كيف أدار “ترامب” الولايات المتحدة والعالم؟

عرض- آية عبد العزيز   وآية حجازي

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر 2020، أصدر المعهد الإيطالي للدراسات السياسة والدولية في سبتمبر 2020، تقريرًا بعنوان “أربع سنوات من حكم ترامب: الولايات المتحدة والعالم“، تحرير كل من “ماريو ديل بيرو” زميل باحث مشارك أول في العلاقات عبر الأطلسي، و”باولو ماجري” نائب الرئيس التنفيذي للمعهد الإيطالي.

ويتناول التقرير الاستمرارية والتغيير خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السنوات الأربع، على المستوى المحلي من خلال التطرق إلى الاستقطاب السياسي المُتنامي، والأداء الاقتصادي للبلاد قبل جائحة “كوفيد-19″، فضلاً عن سياساته تجاه الهجرة النظامية وغير النظامية، واستجابته لحالات الطوارئ الصحية ، أما على الصعيد الدولي فان التقرير يسلط الضوء على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصين والشرق الأوسط وأوروبا.

الاستقطاب السياسي في سياق إدارة “ترامب”

ذكر التقرير أن جائحة الفيروس التاجي “كوفيد-19” التي ضربت البلاد في أوائل عام 2020 مثلت التحدي الحاسم لرئاسة “ترامب”، لما لها من تداعيات سياسة واقتصادية واجتماعية أثرت على الداخل الأمريكي بشكل عميق، فبدلًا من توظيفها لصالح توحيد البلاد حول أزمة واحدة، تبنى سياسات شعبوية أدت إلى تنامي حالة الاستقطاب من خلال تشكيكه في الأزمة، والتعامل معها على إنها مؤامرة وليست حالة طوارئ صحية تتطلب تحركًا وطنيًا ومتماسكًا، بل استمر بشكل اندفاعي ومتقطع وبجهل، برسائل متناقضة ونتيجة لذلك، فإن أخطر أزمة وأكثرها اضطرابًا في الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية لم تفعل شيئًا تقريبًا لتغيير خطوط المعركة السياسية الحالية – على الأقل في المدى القصير.

لذا فبدايةً من عام 2019، بلغ متوسط ​​الاختلافات الحزبية في الآراء حول أدائه 83 نقطة، بمتوسط ​​90٪ من الجمهوريين، و7٪ فقط من الديمقراطيين يوافقون على أدائه الوظيفي. وذلك وفقًا لاستطلاعات الرأي التي تقوم بها مؤسسة “جالوب”.  تم تلخيص ذلك في الشكل 1.1، الذي يعرض المتوسطات السنوية في الفجوة الحزبية في معدلات الموافقة الرئاسية التي تم اتخاذها منذ إدارة ترومان، موضحةً اتساع الفجوة المتزايدة بين الحزبين في الموافقة الرئاسية التي تعد نتاجا لعقود من الانقسام النخبوي والجماهيري المتعمق منذ “رونالد ريجان” و”بيل كلينتون”، وبعدهم “جي دبليو. بوش” و”باراك أوباما”، وأخيرًا “ترامب”.  

فيما عبّر أنصار الحزب عن وجهات نظر متباينة بشأن “ترامب” منذ توليه في 2017، لكن الاختلافات اتسعت بمرور الوقت، ووصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 87 نقطة (موافقة 94٪ من الجمهوريين، و7٪ من الديمقراطيين) في استطلاع “جالوب” في يناير 2020 الذي تم إجراؤه إبان إجراءات العزل. ومن اللافت للنظر أن هذا الرقم القياسي قد تراجع في الاستطلاعات “جالوب” التي تمت في يونيو 2020، بحصوله على 91 ٪ من الجمهوريين و2 ٪ فقط من الديمقراطيين يوافقون، مما يترك فجوة تقدر بنحو 89 نقطة.

الأمر الذي يُثير تساؤلات حول الاختلاف الشديد في الآراء الحزبية حول أداء “ترامب” الذي يرجع إلى انتهاج سياسات عنصرية تعتمد على إعلائه من الهوية البيضاء، وكراهية الأجانب، والعنصرية، التي ميزت حملته. كما تألفت أجندته إلى حد كبير من الهجمات على إرث “أوباما” في مجال الرعاية الصحية، والبيئة، والتنظيم المالي، والضرائب، والسياسة المالية، والسياسة الخارجية، والهجرة، والتجارة. علاوة على اتهامه القادة الديمقراطيين بالخيانة والفساد وكراهية أمريكا. وتوظيفه لوسائل التواصل الاجتماعي مثل توتير للرد على منتقديه بأشد العبارات، أخيرًا الاستخفاف بالحلفاء التقليديين والتغاضي عن الحكام المستبدين. 

الاقتصاد الأمريكي وتنامي معدلات عدم المساواة 

أشار التقرير إلى أن السنوات الثلاث الأولى من رئاسة “ترامب” شهدت نموا اقتصاديا سريعا بالرغم من تصعيده في الحرب التجارية الدولية، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الأعوام 2017 و2018 و2019 بنسبة 2.4 و2.9 و2.3٪ على التوالي. بالنسبة للعديد من المُعلقين، يبدو الأمر مثيرًا للتعجب، بمقارنته بين نمو الناتج المحلي الإجمالي لترامب لعام 2017 بنسبة 2.4٪ وأوباما 1.6٪ في العام السابق، علاوة على تمكنه من خفض معدل البطالة من 4.7٪ في يناير 2017 إلى 3.5 في ديسمبر 2019. وزيادة الإنتاج لا سيما في قطاع التعدين واستخراج النفط والغاز (زيادة بنحو 27 مليار دولار أمريكي سنويًا في عهد “ترامب”، وانخفاض قدره ما يقرب من 17 مليار دولار أمريكي سنويًا في عهد “أوباما”).

وبالرغم من ذلك فقد تزايدت معدلات عدم المساواة في الدخل والصحة، التي انعكست على الداخل الأمريكي بشكل مُتباين تجسدت على سبيل المثال في أعقاب جائحة “كوفيد-19″؛ حيث مثّل الأمريكيون الأفارقة 70٪ من جميع حالات الإصابة بفيروس كورونا وأكثر من نصف الوفيات في ولاية إلينوي. كما لخص مدير إدارة الصحة العامة في إلينوي الموقف، “نحن نعلم جيدًا أن هناك تفاوتات عامة في النتائج الصحية التي تلعب على أسس عرقية وقد يكون الشيء نفسه صحيحًا بالنسبة لهذا الفيروس”.

 ويرجع ذلك لأن السكان الأمريكيين من أصل أفريقي يعيشون في مناطق مزدحمة، ولديهم متوسط ​​دخل أقل للفرد، علاوة على تراجع فرصهم في الحصول على الرعاية الصحية، وفرص عمل توفر لهم أكبر قدر من التباعد الاجتماعي والعمل عن بعد والإجازة مدفوعة الأجر والمزايا الصحية. لذا فهم أكثر عرضة للعمل في الوظائف الأساسية في القطاعين العام والخاص على حد سواء، مما يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس كورونا.

ما وراء الجدار: سياسة الهجرة الأمريكية 

أفاد التقرير أن فترة “ترامب” شهدت هجومًا حادًا على المهاجرين من خلال فرض عدد من الإجراءات القاسية، والادعاءات العنصرية مثل تصور “المكسيكيين” – وكيل لمهاجرين من أمريكا اللاتينية – كمغتصبين وتجار مخدرات وقتلة، ويرجع ذلك لاستيائها من المهاجرين – لا سيما أولئك الذين يصلون إلى حدود الولايات المتحدة المكسيكية، التي كانت تاريخيًا نقطة الانطلاق في الجدل حول الهجرة في الولايات المتحدة. هذا بجانب احتجاز الأطفال المهاجرين فبين مايو ويونيو من عام 2018، أثارت سلسلة من الصور التي نشرتها وكالة “اسوشيتد برس” احتجاجًا عالميًا على الظروف التي يواجهها الأطفال المهاجرون على حدود الولايات المتحدة مع المكسيك. 

في المقابل وصف مسئولو “ترامب” الآباء بأنهم غير مسئولين، ومهملين، وربما مجرمين لأنهم أحضروا أطفالهم في “الرحلة الغادرة إلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك”.  وفقًا للتقرير عززت مراكز الفكر المحافظة ومسئولو “ترامب” الرواية من خلال القول إن “بعض المهاجرين كانوا يستخدمون الأطفال كـ “دروع بشرية “من أجل الخروج من حجز الهجرة بشكل أسرع. لتبرير قرارين الأول، في أوائل مايو 2018، سمح لسلطات الهجرة الأمريكية بفصل الأطفال عن والديهم عند وصولهم إلى الأراضي الأمريكية. والثاني، بعد الضجة حول تفكك الأسرة، كان أمرًا تنفيذيًا في 20 يونيو 2018 ينفذ احتجاز العائلات، في عملية تجاهل القيود القانونية على احتجاز القاصرين. 

كما بدأ مسئولو “ترامب” بالفعل في صياغة إجراءات أخرى من شأنها أن تسمح للولايات المتحدة في النهاية بإخراج نفسها من التزاماتها تجاه نظام الحماية الدولية واللجوء. ربما تكون بروتوكولات حماية المهاجرين، المعروفة بشكل غير رسمي باسم برنامج MPP، هي أحدث وأقسى هجوم لإدارة “ترامب” على قانون اللجوء الأمريكي والدولي.

أزمة العولمة بين الولايات المتحدة والصين

ذكر التقرير أن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين تتسم بالديناميكية فكلاهما محرك لعملية التكامل العالمي، ويزيد الناتج المحلي الإجمالي لهما عن ثلث الإجمالي العالمي، فإنفاقهما الدفاعي معًا، أكثر من إنفاق بقية العالم (38٪ في حالة الولايات المتحدة؛ حوالي 15٪ في حالة الصين). ويعدان مصدران لأكبر كمية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي يساهمان أكثر من أي دولة أخرى في تلويث البيئة وتسريع تغير المناخ. لذا فإن العلاقة بينهما تتأرجح من الصراع وحتى الحرب من جهة واحدة إلى التعاون وحتى التقارب. وهو ما يجعل النظام الدولي الحالي بطريقة ما ثنائية القطبية، إلا إنه غير متماثل بالنظر إلى التفوق المستمر للولايات المتحدة على الصين.

أفاد التقرير إننا أمام ظهور نظام هيمنة مزدوجة؛ حيث القيادة الاقتصادية لبكين تجسدت في استثماراتها في المنطقة والتوسع الهائل للتبادلات التجارية مع جميع الدول الرئيسية في المنطقة – وقد تزامن ذلك مع إعادة تأكيد الهيمنة الأمنية لواشنطن، وهو ما يتجلى في العديد من الترتيبات الدفاعية الثنائية و”المصغرة” بين الولايات المتحدة ومختلف دول آسيا والمحيط الهادئ.

وعليه فإن المقولة المُتعلقة بأن الصين والولايات المتحدة سيتصادمان قد اكتسبت أرضية تدريجية، وأصبحت شعارًا لمجموعة من العلماء والمحللين والسياسيين المختلفين، نتيجة تحركات إدارة “ترامب” المُناهضة لبكين التي تجلت في عام 2020 عندما استغل الجائحة، وانتقد بكين لسوء إدارتها للمرحلة المبكرة من هذه الأزمة الصحية العالمية، واستفادته من هذه الانتقادات في الانتخابات. وعليه يمكن توضيح أسباب تنامي الرؤية السلبية للصين بين الرأي العام الأمريكي على النحو التالي: 

  • مثلت العولمة نقطة تحول في العلاقات خلال العقود الثلاثة الماضية؛ حيث كانت الرواية الشائعة هي أن اندماج الصين في النظام الليبرالي العالمي كان مفيدًا لجميع الجهات الفاعلة المعنية، بدءا من الولايات المتحدة نفسها، هو ما انعكس في أرباح الشركات الأمريكية التي تنقل إنتاجها إلى الصين، والعوائد المرتفعة للاستثمارات المالية. 
  • لم تقدم العولمة ما اعتبره العديد من الليبراليين نتيجة ثانوية حتمية لتكامل الصين في النظام الرأسمالي: إضعاف تدريجي للطبيعة الاستبدادية للنظام الصيني وتحوله إلى نظام أكثر انفتاحًا وديمقراطية.  وخاصة في ظل حكم “شي جين بينغ” يبدو أن التحول الاستبدادي قد عزز قبضة النظام وميله إلى القمع الوحشي لأي شكل مهم من أشكال المعارضة السياسية أو الاجتماعية.
  • قبول الصين لقواعد النظام الدولي والتعامل وفقًا لها؛ حيث قبلت القيادة الأمريكية، ولعبت دورًا مسؤولاً من خلال مساهمتها في التعافي الاقتصادي بعد عام 2008، والمفاوضات التي أدت إلى اتفاق باريس للمناخ عام 2015 أو اتفاقية البرنامج النووي الإيراني للعام نفسه. 

وفقا للتقرير جاءت إدارة ترامب رافضة للصعود الصيني، ومنتقدة السياسات الأمريكية السابقة في تعاطيها مع الصين من خلال إجهاض اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، والخروج من اتفاق باريس للمناخ المناهض للتجارة الحرة في الولايات المتحدة، والبرنامج النووي الإيراني، واعتبارها العدو الرئيسي (والتهديد الرئيسي) للولايات المتحدة. 

لمواجهة التحدي والاستجابة له، فإن واشنطن مدعوة بالتالي إلى أن تتبنى “نهجا تنافسيا تجاه جمهورية الصين الشعبية، بناءً على تقييم واضح لنوايا وإجراءات الحزب الشيوعي الصيني، وإعادة تقييم المزايا والنواقص الاستراتيجية العديدة للولايات المتحدة، والتسامح مع احتكاك ثنائي أكبر “. 

الكارثة: استجابة ترامب لحالة الطوارئ Covid-19؛

أشار “سكوت جرير” في التقرير إلى أن الولايات المتحدة أثبتت في يونيو 2020 أنها من ضمن أسوأ دول، إن لم تكن هي الأسوأ، استجابةً لجائحة كورونا. لعل وجود ترامب في سدة الحكم زاد الأمر سوءا إلا أن ملف الصحة العامة الأمريكي يعاني مشكلات هيكلية أقدم من الإدارة الأمريكية الحالية. ويُرجع الكاتب السبب وراء هذا التعامل المتراخي مع الكارثة إلى عاملين أساسين؛

  • الصحة العامة الأمريكية: التفتت والقيادة الفيدرالية؛ كحال كل شيء متعلق بالقطاع العام الأمريكي، يعتبر ملف مكافحة الأمراض المعدية مجزأ للغاية. فلدى الولايات المتحدة ما يقرب من 90.000 إدارة، من بينها حوالي 18.000 ذات مسؤوليات صحية عامة. وهو انعكاس واضح لمبدأ تعدد السلطات السيادية الذي تتبناه الولايات المتحدة في إدارة أغلب ملفاتها العامة لضمان كفاءة إدارتها. وعليه تترك المجال أمام الإدارات والحكومات المحلية لتناول مثل هذه الملفات بما يتراءى لها (مما زاد من ممارسات الفساد الإداري). ولكن تظل الهيراركية الإدارية (إدارات محلية ˃ حكومات الولايات ˃ الحكومة الفيدرالية) هي المنسق الرئيسي خاصةً في الحالات الطارئة. 

المشكلة الرئيسية في التعامل مع أزمة كوفيد-19 هي قصور وفشل هذا النظام الإداري في المقام الأول الذي أصبح يعاني قلة كفاءة غير مسبوقة اليوم عما كانت عليه في عام 1867. وهو ما أفرز نظام رعاية صحية أمريكيا يركز على الإيرادات الاقتصادية دون الاهتمام بالخدمة المقدمة للمنتفعين أو ضمان التوزيع العادل لها في ظل التعقد البيروقراطي المُسيس للذراع التنفيذي للولايات المتحدة وغياب رؤية سياسية قومية مركزية لمواجهة تداعيات الجائحة. وهو ما ينقلنا إلى العامل الثاني الذي أشار له التقرير.

  • سياسات الصحة العامة في ظل التحزب الأمريكي؛ أكد التقرير أنه لا يمكن فهم غياب مثل هذه الرؤية القومية الفيدرالية إلى من خلال الخريطة السياسية الأمريكية. حيث أن التصريحات المستهترة للرئيس الأمريكي فيما يخص الأزمة تنبع في الأساس من خلفيته السياسية الجمهورية والقاعدة الانتخابية (أغلبها جمهوري) التي يعتمد عليها. وترتكز أفكار الحزب الجمهوري، حسب ما ورد في التقرير، على مفاهيم الفوقية البيضاء، والأصولية الدينية والسلطة الأبوية وتسود بينهم سيناريوهات نظرية المؤامرة التي استطاع الرئيس الأمريكي اللعب عليها لتبرير قراراته الهوجاء في التعامل مع الأزمة، بحسب ما ورد في التقرير. وهو ما يفسر رفض هؤلاء الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي والتدابير الوقائية اللازمة.  

الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط في عام 2021: انسحاب أم إعادة تمركز؟

لفهم طبيعة السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، أشار التقرير إلى ضرورة فهم وتفصيل مصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة بوضوح، وعليه الوقوف على أهم المقاربات التي توجه العناصر الأساسية للسياسات الأمريكية عبر الإدارات المتعاقبة. إلا أنه، وبطبيعة الحال، لا تتساوى جميع المصالح الأمريكية من حيث الأهمية الاستراتيجية. 

فهناك مصالح وجودية؛ التي يعد المساس بها تهديدا مباشرا لبقاء شكل النظام السياسي الأمريكي و/أو بقاء الشعب الأمريكي نفسه قد تمتد تداعياتها على المدى البعيد أو بشكل أبدي. وهناك مصالح حيوية؛ التي تقل أهمية نسبياً عن الوجودية إلا أن المساس بشروطها يؤثر على الأمن القومي الأمريكي و/أو رفاهية الشعب الأمريكي ويمتد أثرها لعقد أو اثنين من الزمن. أما المصالح المهمة؛ فهي التي تسعى لتجنب الظروف التي قد تؤثر على الأمن القومي الأمريكي و/أو رفاهية الشعب الأمريكي بشكل سلبي على المدى القصير/المتوسط. وأخيراً هناك مجموعة كبيرة من المصالح الثانوية؛ وتشمل الظروف والمناخ الدولي المطلوب لضمان استقرار ورفاهة الولايات المتحدة الأمريكية وشعبها، ولكن لا تمثل ضرر كبير على الأمن القومي الأمريكي إذا ما تم تسويتها أو التخلي عنها. 

وعليه تتمحور مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط حول منع ظهور قوة أجنبية في المنطقة لديها القدرة والنية للتهديد بشن هجوم كارثي على الوطن الأمريكي. تطبيقاً للرؤية الأمريكية لتحديد مصالحها على الواقع المعاش في المنطقة؛

  • تعد التنظيمات الإرهابية السلفية الجهادية أحد التهديدات الأكثر إلحاحًا في الوقت الحالي. إلا أن الضعف النسبي في قوة هذه التنظيمات الإرهابية، إثر التضييق الأمريكي عليها، جعلت منها تهديداً حيوياً، نظرًا لجاذبيتها الأيديولوجية المستمرة، والعمليات المحلية المستمرة، وتطلعاتها العالمية، وإمكانية التوسع السريع لقدراتها – ورد الفعل الأمريكي الذي سيستتبعه بالضرورة هجومًا محليًا كارثيًا آخر، ما يجعل منها تهديداً وجودياً محتمل.
  • إلى جانب الإرهاب، تثير إمكانية امتلاك إحدى دول المنطقة، غير مستقرة النظم السياسية، أسلحة نووية و/أو أنظمة إطلاق بعيدة المدى قلق الولايات المتحدة الأمريكية. فلطالما حرصت الأخيرة على ضمان عدم تمكن أي كيان واحد من الهيمنة عسكريًا على الكتلة الأرضية الأوروآسيوية الأوسع، والتي يعد الشرق الأوسط جزءًا منها، لأن مثل هذه القوة القارية ستشكل في جوهرها تهديدًا عسكريًا مباشرًا. ظهور أي من هذين سيناريوهين يعد تهديدًا وجوديًا للولايات المتحدة. 
  • وأشار التقرير، إلى أهمية توفير مصادر مستدامة للطاقة لا تزال تسبب أرق للولايات المتحدة الأمريكية حتى بعد اتجاهها تحقيق اكتفائها الذاتي منها. حيث لا يزال الاقتصاد الأمريكي يتأثر بشكل غير متناسب بسعر السوق العالمي للطاقة، ولا يزال هذا السعر مدفوعًا بشكل مفرط بالأحداث في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، من منظور عسكري هجومي، لا يزال العديد من الاستراتيجيين الأمريكيين يرون وجود مصلحة أمنية وطنية محتملة في الحفاظ على السيطرة العسكرية على تدفق الطاقة عبر نقطتي الاختناق الجغرافيين الرئيسيين في المنطقة؛ مضيق باب المندب ومضيق هرمز. يتمثل الهدف المزدوج في ضمان قدرة القوات الأمريكية على الاستمرار في العبور بأمان من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ دون أي مضايقات في وقت الحرب، وكذلك القدرة على تهديد موارد الطاقة الصينية إذا تحولت الديناميكيات الحالية لمنافسة قوى عظمى.
  • رفاهية إسرائيل المستمرة تعد هي الأخرى مصلحة أمنية وطنية مهمة للولايات المتحدة، وبالنظر إلى الوعود والالتزامات الأمريكية طويلة الأمد، فإن التهديدات الوجودية لإسرائيل تعرض المصالح الحيوية للأمن القومي الأمريكي للخطر وتزيد من احتمال تورط الولايات المتحدة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. ما يجعل من الضغط من أجل حل الدولتين في قلب المصالح الأمنية الأمريكية المهمة نظراً إلى الصدى الإقليمي للأزمة الفلسطينية. 
  • وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة تهتم أيضاً بمصالحها القومية الثانوية في المنطقة والتي غالبًا ما تتفاقم بسبب الصراعات المتعددة بين الدول في المنطقة، والانقسامات الطائفية والعرقية، والممارسات الاستبدادية. وتشمل هذه الجهود الأمريكية لتخفيف من الأزمات الإنسانية، ودعم التنمية الاجتماعية، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتشجيع التسامح الديني، وتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون، ومحاكمة جرائم الحرب.

هذه المصالح الأمنية القومية الأمريكية الأساسية لم تتغير على مر العقود، على الرغم من أن سياق تطبيقها في الشرق الأوسط يتغير مع كل جيل. كذلك تغيرت فعالية أدوات الإدارات الأمريكية في حماية تلك المصالح، خاصة في الآونة الأخيرة. حيث أشار التقرير كان دور الولايات المتحدة في المنطقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد كبير قائم على الحفاظ على الوضع الراهن كقوة عظمى. إلا أن هذا النهج الحزبي المتسق نسبيًا تجاه الشرق الأوسط قد شهد تغيرات جذرية أضرت في كثير من الأحيان بالمصالح الأمريكية في ظل الرؤساء الأمريكيين الثلاثة السابقين. وأوضح التقرير أنه على غير نهج سابقيه (بوش/أوباما) لا يملك ترامب استراتيجية واضحة بشأن الإقليم ولكن يمكن رصد أربع خطوط بارزة في تعامله مع مشكلات المنطقة، بحسب ما أورده التقرير؛

  • أولاً، يركز الرئيس الأمريكي على الناحية التكتيكية أكثر من الناحية الاستراتيجية في المعاملات الدبلوماسية مدفوعاً في ذلك بطابع “مبادلاتي” قائم على الصفقات الدبلوماسية المتبادلة. الأمر الذي يفسر اهتمامه بالعلاقات الثنائية أكثر من تلك متعددة الأطراف. لذلك ينجذب بطبيعة الحال إلى نظرائه الدوليين الذين يشاركونه هذه النظرة، خاصة أولئك القادة الاستبداديين ذوي النفوذ المالي القوي. ويدلل التقرير على ذلك برد فعل الرئيس الأمريكي الحيادي تجاه قضية عادل خاشقجي.  
  • ثانيًا، يوظف الرئيس ترامب سياساته تجاه المنطقة بحسب مصالحه السياسية الشخصية. فهو يريد أن يصدر صورة القوة الذكورية التي تتفق ومفهومه عن استخدام القوة العسكرية، لذلك لا يتقيد في معظم الأحيان بالمجاملات القانونية أو الأخلاقية. الأمر الذي بينه التقرير بوضوح من خلال القرار الأمريكي بضرب القوات السورية رداً على استخدام الأسلحة الكيماوية. وكذلك كان الوضع باختياره قتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني، أو حتى بتهميشه للفلسطينيين بنقله السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، مما أضر بحل الدولتين وعليه بالمصالح الأمريكية. 
  • ثالثًا، التصريحات المستمرة للرئيس الأمريكي وضرورة وقف “الحروب اللانهائية” وإعلان انسحاب أعداد كبيرة من القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق. كذلك الانسحاب الأحادي للقوات الأمريكية من سوريا دون الرجوع للشركاء الأوروبيين ما أفسح المجال مرة أخرى أمام السلفيين الجهاديين وبالتالي أضر بالمصالح الأمريكية. 
  • رابعاً، في مقابل الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط، بشير التقرير أن الرئيس ترامب يتقبل وبشكل غير مفهوم السلوك الروسي في المنطقة وتوجهها بمليء الفراغ الأمريكي. 

وبناءً على ما تم تفصيله، خلص التقرير إلى أن سوء التعامل الأمريكي خلال الإدارات الأمريكية الأخيرة (بوش الابن/أوباما/ترامب) أدى إلى خلخلة الوضع القائم المستقر في الشرق الأوسط، ومهد وأقر ديناميكيات واقع شرق أوسطي جديد يضر في المقام الأول المصالح الأمريكية المهمة والحيوية ويمس أحياناً كثيرة بالوجودي منها. وإن كان انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة هو القرار الذي لوح به البعض ونفذه آخرون، سيظل بمثابة القنبلة الموقوتة على المصالح الأمريكي إذا ما تم استكماله دون مراعاة الظروف القائمة في الواقع الجديد. وأبرز ما يتنبأ به التقرير هو محاول قوى إقليمية، تحديداً تركيا وإيران، ودولية، روسيا، ملء الفراغ الأمريكي. دون إغفال احتمالية زيادة النفوذ الصيني إلى ما أبعد من مجرد نفوذ اقتصادي. 

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: انتهاء اللعبة؟

          أما عن توجهات الرئيس الأمريكي حيال القارة الأوروبية، أوضح التقرير أن غياب السياسة الواضحة للتعامل مع الشركاء الأوروبيين يظل سيد الموقف. حيث يخيم الطابع “المبادلاتي” للرئيس ترامب على علاقاته المتوترة مع أوروبا. بحيث ستستمر الولايات المتحدة وأوروبا في التفاعل، لكن سيكون هذا التفاعل شبيهاً بالمقايضة أكثر من الشراكة. إلا أن التقرير قد أشار إلى أن توتر العلاقة بين طرفي الأطلسي ليست مستحدثة وأن الإدارة الحالية ما هي إلا عرَض لهذا التوتر لا سبباً له. وعليه تصبح العودة إلى شكل العلاقة القديمة شبح مستحيل نتيجة لعدة تحولات أهمها؛

  • شهدت القارة الأوروبية تحولاً في علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بها من مجرد الحصول على امتيازات باهظة إلى حد التحكم الخانق في شكل وهيكل المعاملات الاقتصادية والمالية الأوروبية في ظل الهيمنة الاقتصادية الأمريكية للعالم خاصةً بعد أحداث 11/9 واستخدام الأخيرة العقوبات الاقتصادية لمواجهة الدول “المارقة” الأمر الذي أضر بالمصالح الأوروبية. 
  • تحولت العلاقة بين الطرفين من قبول الأوروبيين الامتيازات الأمريكية الباهظة مقابل هيمنة الأخيرة على النظام العالمي وإدارتها له بما يخدم بالتبعية استقرار الدول الأوروبية المنهكة إثر حربيين عالميتين. ولكن شهدت هذه “المقايضة” حالة من الضبابية بوصول إدارة ترامب وتهديده بحل حلف الناتو، وحث المملكة المتحدة على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، والانسحاب من اتفاق النووي الإيراني وغيرها من الممارسات الفردية الأمريكية التي جعلت الدول الأوروبية تعيد النظر في “الامتيازات الباهظة” التي لم تعد تحفظ الاستقرار الأوروبي بل على العكس توظف عدم الاستقرار لمصالحها الفردية. 

في إطار هذه التحولات، يصعب التكهن بشكل العلاقات بين طرفي الأطلنطي في الفترة المقبلة حتى إذا ما أفرزت الانتخابات الأمريكية عن فوز الديمقراطيين. إلا أن التقرير أكد أهمية الأجيال الشابة سريعة النمط التي عاصرت الرقمنة بما سيؤثر على رؤيتها لما يمكن أن تصبح عليه العلاقة الأوروبية-الامريكية بطريقة تفيد مصالح الطرفين دون تبعية طرف لآخر.

المصدر: المرصد المصري

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: