دراسات النظام السياسي

مستقبل السباق الرئاسي بعد إصابة “ترامب” بفيروس كورونا

بقلم: مها علام

أصيب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وزوجته “ميلانيا ترامب” بفيروس كورونا (كوفيد 19) في 2 أكتوبر الجاري ودخلا فترة الحجر الصحي. وجاءت إصابة “ترامب” وزوجته بعد الإعلان عن إصابة “هوب هيكس”، إحدى أقرب مساعديه بالفيروس. قالت شبكة (سي إن إن CNN) الأمريكية إن تشخيص إصابة “ترامب” بفيروس كورونا يُعد أخطر تهديد صحي يتعرض له رئيس أمريكي في منصبه منذ عقود. الأمر الذي يعني دخول المشهد الأمريكي إلى مرحلة أكثر تشابكًا وتعقيدًا، مع تزايد كبير في حالة عدم اليقين. لذا، أثيرت تساؤلات بشأن تأثير إصابته على المشهد الإنتخابي الحرج، وعن السيناريوهات المحتملة لهذه السابقة الخطيرة.

“ترامب” وكورونا…تعاطٍ متذبذب ومضطرب

اتسمت سياسة “ترامب” في التعامل مع جائحة كورونا منذ اندلاعها بالتأخر في التنبؤ والاستجابة، بطريقة أدت لتفشي الوباء بصورة سريعة أوصلت الولايات المتحدة إلى أن تصبح الدولة صاحبة أعلى معدلات إصابة ووفاة. ووفقًا لآخر تحديث تجاوزت أعداد المصابين 7 مليون حالة، بينما اقتربت أعداد الوفيات من 300 ألف حالة. كما عمدت إدارة “ترامب” إلى الاستهانة بالمخاطر عبر تبني  سياسة تقوم على تجنب استعراض الحقائق مع التقليل من خطر الجائحة، الأمر الذي ترتب عليه التأخر في قرار وقف خطوط النقل والمواصلات مع الصين، وفرض حظر التجوال والحجر الصحي.

وفي سياق موازٍ، عمد “ترامب” إلى تبني خطاب يناقض بقدر كبير أغلب الأطروحات العلمية حول الفيروس، إذ قلل من أهمية الاجراءات الاحترازية ودعا إلى إعادة فتح المدارس والاقتصاد. ويرفض “ترامب” في الغالب ارتداء الأقنعة، وغالبًا ما يتم تصويره وهو غير ملتزم بالتباعد الاجتماعي مع مساعديه أو غيرهم خلال التزاماته الرسمية. كما وصف “ترامب” عملية إجراء الفحوص بأنها “سلاح ذو حدين”، وقال إن زيادة الفحوص يمكنها أن تعطي انطباعًا مبالغًا به عن الارتفاع في حالات الإصابة. فضلًا عن إعلانه في مايو الماضي عن تناوله العقار المضاد للملاريا “هيدروكسي كلوروكوين” كإجراء احترازي ضد الإصابة بالفيروس، على الرغم من عدم وجود دليل علمي على صحة ذلك. 

وشهدت المناظرة الأخيرة بين “ترامب” و”بايدن” تشاجرًا وسخرية حول الإجراءات الاحترازية للوقاية من الإصابة بما فيها ارتداء الأقنعة. حيث وصف “بايدن” “ترامب” بأنه “أحمق” و “غير مسؤول تمامًا” لعدم اكتراثه بالإجراءات الوقائية. وفي المقابل رد “ترامب” ساخرًا من منافسه الديمقراطي لكونه شديد الحذر، قائلًا “أنا لا أرتدي أقنعة مثله”، “في كل مرة تراه، يكون لديه قناع، يمكن أن يتحدث على بعد 200 قدم، ويظهر بأكبر قناع رأيته في حياتي”. كما أوضح أن معدلات الإصابة والوفاة في دول أخرى كالدول الأوروبية أعلى من معدلات الوفاة في الولايات المتحدة.

تأثير اصابته على مسار العملية الانتخابية (السيناريوهات المحتملة)

مما لاشك فيه أن إصابة “ترامب” ستكون ذات تأثير كبير على المشهد الأمريكي بشكل عام، والمشهد الانتخابي بشكل خاص لاسيما وأنها قبيل ما يقرب من شهر من بدء الانتخابات. الأمر الذي يستدعي ضرورة النظر في كل السيناريوهات المحتمل أن تشهدها الولايات المتحدة. ويمكن بلورة هذه السيناريوهات في خمس سيناريوهات رئيسة، على النحو التالي.

السيناريو الأول: وفاة ترامب

ينطلق هذا السيناريو من فكرة أساسية مفادها خطورة الجائحة، لا سيما و أن “ترامب” يقع في الفئة العمرية الأخطر، إذ يبلغ من العمر 74 سنة، ويعاني في كوليسترول في الدم وسمنة، الأمر الذي قد يتسبب في مضاعفات شديدة تنتهي بالوفاة. ونتيجة لذلك، سيشهد المشهد الانتخابي حالة من الاضطراب حيث تمت طباعة أوراق الاقتراع التي تضم اسم “ترامب”، وبدء بالفعل التصويت المبكر في بعض الولايات. ووفاة الرئيس تعني تولي نائب الرئيس “مايك بنس” وفقًا للدستور الأمريكي.

قال “ريك هاسن” –  أستاذ القانون وخبير التصويت بجامعة كاليفورنيا – في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” إن ” هناك احتمالات أن تتم الانتخابات في الوقت المحدد مع وجود اسم المرشح المتوفى أو العاجز على بطاقة الاقتراع”. الأمر الذي  سيثير تساؤل عما إذا كانت الهيئات التشريعية ستسمح للناخبين للتصويت لشخص آخر غير المرشح المتوفى المذكور في بطاقة الاقتراع. وعليه، ففي حالة استبعاد “ترامب” من الاقتراع، سيصبح التصويت غير ديمقراطي إلى حد كبير، حيث لم يتم التصويت على “بنس” كمرشح للرئاسة من خلال عملية الانتخابات التمهيدية. لذا، فقد تتجدد الدعوات الخاصة بشأن تأجيل الإنتخابات حتى يتم إعادة النظر للخروج من كل هذه الإشكاليات. 

السيناريو الثاني: إصابته بمضاعفات خطيرة

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض “كايلي ماكناني” إنه “بناء على توصية من طبيبه والخبراء الطبيين، سيعمل الرئيس من المكاتب الرئاسية في مستشفى والتر ريد” العسكري (بولاية ميريلاند) خلال الأيام القليلة المقبلة”. كإجراء احترازي. موضحة أن الرئيس “لا يزال في حالة معنوية جيدة ويعاني من أعراض خفيفة ويعمل طوال اليوم”. ولكن الأعراض الخفيفة بعد الإصابة بفترة وجيزة ليست مؤشرًا على مدى خطورة المرض؛ إذ كان رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” بصحة جيدة ويعمل في الأيام القليلة الأولى بعد الاختبار الإيجابي ثم أخذ منعطفًا نحو الأسوأ. 

وعليه، إذا أصبح “ترامب” عاجزًا عن أداء عمله، فيمكنه استدعاء التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي ونقل السلطة مؤقتًا إلى “بنس” لحين شفائه. إذ حدث هذا ثلاث مرات منذ أن دخل التعديل حيز التنفيذ منذ عام 1967،  مع الرئيس “رونالد ريجان” في عام 1985، ومع الرئيس “جورج بوش الابن” في عامي 2002 و 2007. إذا كان “بنس” غير قادر أيضًا على تولي المسؤولية، فسيتم تفويض الصلاحيات بموجب الدستور إلى رئيسة مجلس النواب، وهي في هذه الحالة “نانسي بيلوسي”، النائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا. الأمر الذي يعني خروج “ترامب” من المشهد سواء قبل الانتخابات أو بعد الانتخابات. 

السيناريو الثالث: تزايد شعبيته

ينطلق هذا السيناريو من فكرة أساسية مفادها أن إصابة الرئيس قد تزيد من حالة التعاطف معه، كما أنها ستقطع الطريق على الاتهامات التي يشنها الديمقراطيون ضد “ترامب” والتي تدور حول عدم تعاطفه مع المصابين وأسر المتوفين. إذ شهد رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” – الذي أصيب في أبريل – زيادة حادة في شعبيته بعد تشخيصه. قال أكثر من نصف البريطانيين – 51٪ – إن لديهم رأيًا إيجابيًا بشأن رئيس الوزراء في اليوم التالي لإصابته، بزيادة 17 نقطة عن الشهر السابق، وفقًا لإيبسوس موري.

وعلى الجانب الآخر، فإن تزايد الحديث عن وجود مؤامرة لاستهدافه قد تكثف من الالتفاف الشعبي حوله. إذ دعت السيناتور الجمهورية عن ولاية جورجيا “كيلي لوفلر” إلى تحميل الصين مسؤولية إصابة الرئيس “ترامب” بمرض (كوفيد-19)، والأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة جراء تفشي الوباء، قائلة “تذكروا: الصين أعطت هذا الفيروس لرئيسنا وللسيدة الأولى. يجب أن نحاسبها”. ووفقًا لهذا السيناريو، فإنه في حالة مثوله للشفاء سيستطيع الفوز في الانتخابات القادمة، لا سيما في حالة التوصل للمصل الأمريكي واعتبار الرئيس أول مستخدم له. كما أن التعافي السريع من الفيروس يمكن أن يكون بمثابة دليل قوي على أن ترامب السبعيني لا يزال بصحة جيدة وقادرًا على قيادة البلاد لمدة أربع سنوات أخرى.

السيناريو الرابع: إصابة بسيطة غير مؤثرة

يستند هذا السيناريو إلى افتراض محتمل مؤداه أن الإصابة قد تكون بسيطة كدور إنفلونزا عادي، وليست ذات تأثير جدي على المشهد الانتخابي سواء بالإيجاب أو بالسلب. إذ قال كبير موظفي البيت الأبيض “مارك ميدوز”إن ترامب في حالة معنوية جيدة، ويعاني من أعراض خفيفة لفيروس كورونا. وذكر ميدوز أن “الشيء العظيم في هذا الرئيس ليس فقط هو استمراره في الالتزام بالعمل نيابة عن الشعب الأمريكي، وأنا متفائل بأنه سيتعافى بسرعة كبيرة”. ويعتبر هذا السيناريو أن المشهد الانتخابي سيسير كما هو، وأن الإصابة لن تكون مؤثرة في تصويت الشارع الأمريكي. 

ويرتبط بهذا السيناريو أن تأثير هذه الإصابة سيكون منحصرًا في بعض الترتيبات الخاصة بالإنتخابات، مثل عدم قدرة “ترامب” على تنظيم التجمعات الحاشدة لمؤيديه أو مموليه. إذ أنه بعد إعلان إصابة الرئيس أصدر البيت الأبيض جدول أعمال جديد لـــ”ترامب” بعد إلغاء العديد من الفعاليات، من بينها حملة لجمع التبرعات في واشنطن، وحشد انتخابي في فلوريدا. لكنه أفاد بأن الرئيس سيواصل أداء مهامه خلال الحجر الصحي في مكتبه.كما قد تعيق هذه الإصابة قدرة “ترامب” على جمع الأموال للأسابيع الأخيرة من الحملة، في الوقت الذي سجلت فيه حملة بايدن رقمًا قياسيًا في جمع التبرعات في سبتمبر، متجاوزة مبلغ 365 مليون دولار. انخفض ترامب بمقدار 154 مليون دولار عن بايدن في أغسطس ، وتراجعت حملته عن الإعلانات التلفزيونية في الولايات المتأرجحة حتى في الوقت الذي يملأ فيه الديمقراطي موجات الأثير. فضلًا عن عدم قدرته على حضور المناظرات القادمة، إلا أنها قد تتم عبر الإنترنت.

السيناريو الخامس: تراجع شعبيته

ينطلق هذا السيناريو من فكرة رئيسة قائمة على أن إصابة الرئيس تتناقض مع الخطاب الذي يتبناه –الخاص بتقليل تأثير الوباء- والأطروحة التي يسير وفقًا لها والتي تقوم على عدم الحاجة إلى الإجراءات الإحترازية الموسعة. كما تمثل إصابته عقبة جديدة أمام حملة إعادة الانتخاب التي تكافح بالفعل للتغلب على عبء جائحة (كوفيد 19)، وما يصاحب ذلك من شل كبير في الاقتصاد الأمريكي. ومن المرجح، أن تعيد إصابته تركيز الشارع الأمريكي على استجابته المتذبذبة للفيروس القاتل، والذي يقوض بشدة احتمالات إعادة انتخابه.

توقع “آلان أبراموفيتز” خبير الانتخابات في جامعة إيموري في تعليق بصحيفة “لوس أنجلوس تايمز” أن “عواقب إصابة “ترامب” ستكون كارثية على حملة إعادة انتخابه المتعثرة بالفعل”. “حتى لو تجنب مرضًا خطيرًا ، فسيتم إجباره على الخروج من مسار الحملة لفترة طويلة وستزداد الأسئلة حول تعامله مع الوباء وسلوكه الشخصي فيما يتعلق به”. إذ إنه تعرضه للإصابة يقوض الحجة الأساسية لديه حول (كوفيد -19) خلال الأشهر العديدة الماضية. ويستند هذا السيناريو إلى أن أي تعاطف مع “ترامب” سيقابله حقيقة أن نتيجة اختباره الإيجابية تؤكد عبثية إصراره على أن نهاية الوباء وشيكة، وتكشف كذلك عن تعامله المتعجرف مع الأزمة. وفي المقابل، ستؤدي إلى دفع “ترامب” إلى التوقف عن مهاجمة “بايدن” بشأن أوضاعه الصحية، وعدم قدرته على القيام بمهام الرئيس. وعلى الجانب الآخر، تتناقض إصابة “ترامب” مع السياسات والتحركات الأخيرة التي يسعى إلى تنفيذها كإنهاء الإغلاق والعودة إلى العمل والدراسة. وعليه، قد يخسر “ترامب” فرصه في الفوز، في مقابل تسهيل عملية فوز “بايدن”. 

ختامًا، يتضح من العرض السابق أن إصابة “ترامب” ستكون ذات تأثير كبير على المشهد الإنتخابي الأمريكي، لذا فالسيناريو الرابع غير مرجح بدرجة كبيرة. وعند النظر  في أكثر السيناريوهات ترجيحًا يتضح أن تشابك المشهد الأمريكي يصعب من عملية التأكيد على سيناريو بعينه. ومع ذلك، سيتوقف السيناريو المرجح على الحالة الصحية لــ”ترامب”، وكذا القدرة على الوصول إلى المصل، وأخيرًا مدى قدرة الخطاب الذي سيوظفه “ترامب” وحملته الانتخابية على التأثير في الشارع الأمريكي. وفي المقابل، سيكون هناك تأثير كبير للحالة الصحية للمرشح المنافس “بايدن”، إذ تعني إصابته هو الآخر إعادة رسم المشهد الانتخابي من جديد. 

المصدر: المرصد المصري

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: