العلاقات الدولية

بايدن وترامب والتعامل مع كوريا الشمالية.. اختلاف جوهري في النهج الدبلوماسي

بقلم: محمد صلاح الدين

تغيرت الإدارة الأمريكية من الحزب الجمهوري المتمثل في الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب والذي يمثل الجناح الأكثر يمينية في الحزب إلى إدارة ديمقراطية تتمثل في الرئيس المنتخب جو بايدن، ومعها تتغير منهجية واشنطن في التعامل مع عدد من الملفات ومن بينها ملف كوريا الشمالية وبرنامجها النووي.

نبذة تاريخية

تعيش واشنطن وبيونغ يانغ تقنيًا حالة حرب منذ توقيع اتفاق الهدنة الخاص بالحرب الكورية عام 1953 ليعقب ذلك أحداث وتوترات ومساعٍ للتواصل، بدأتها إدارة الرئيس رونالد ريجان بمبادرة متواضعة عام 1988 سمحت بتواصل محدود بين الجانبين، ثم انعقاد أول مباحثات رفيعة المستوى بين الجانبين مطلع العام 1992 تحت إدارة بوش الأب، ثم مشاورات انتهت بالبيان المشترك في يونيو من العام التالي لكن كانت الإدارة الأمريكية تغيرت مع قدوم الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون.

التطور الأهم تمثّل في الاتفاقية الإطارية الموقعة في أكتوبر من عام 1994 لحل قضية البرنامج النووي لكوريا الشمالية مقابل مساعدات في مجال الطاقة والمساعدات الإنسانية، وهو ما أدى إلى تعطيل مؤقت للبرنامج النووي للشمال والتي انهارت لاحقًا مع قدوم إدارة بوش الابن التي أتت بنهج مغاير وضع بيونغ يانغ فيما عرف بمحور الشر.

رغم ذلك عمل المجتمع الدولي والدول المعنية على إيقاف البرنامج النووي للشمال عبر المفاوضات السداسية “الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية” بين عامي 2003 و2009. وهو ما لم ينجح أيضًا فانسحبت بيونغ يانغ من المفاوضات خاصة وأنها كانت قد أجرت أولى تجاربها النووية عام 2006 والثانية عام 2009. 

إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ونائبه جو بايدن اتخذت منهجًا مختلفًا يتمثل فيما عُرف بسياسة الصبر الاستراتيجي؛ ما يعني التوقف عن أي محادثات مع النظام الشيوعي حتى تؤتي العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي أُكلها بإجبار بيونغ يانغ على اتخاذ خطوات يمكن التحقق منها للنزاع النووي.

هذه السياسة لم تسفر عن أي تقدم في القضية، واستمرت كوريا الشمالية في تطوير برنامجها النووي والصاروخي خاصة مع وصول “كيم جونغ أون” لسدة الحكم مطلع 2012 بعد وفاة والده “كيم جونغ إل”. إذ إنه اعتمد في 2013 على سياسة تعرف باللغة الكورية بـ”بيونغ جين” أي العمل المتوازي والتي تعني هنا تطوير الاقتصاد جنبًا إلى جنب مع تطوير البرنامج النووي والتخلي عن سياسة “سون غون” والتي تعني العسكرية أولا والتي كان يعتمدها والده. وفي نفس العام أجريت التجربة النووية الثالثة.

إدارة ترامب

دخلت إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب البيت الأبيض مطلع العام 2017 في الوقت الذي كانت كوريا الشمالية تحقق فيه تطورًا كبيرًا في برنامجها النووي والصاروخي فأعلنت عن تجربتها النووية السادسة وتطوير صاروخ باليستي من طراز “هواسونغ 15” والذي قالت إنه قادر على الوصول للبر الأمريكي. ليكون أيضًا عام الحرب الكلامية مع حديث ترامب عن النار والغضب ضد بيونغ يانغ وتتحدث الأخيرة عن ضرب جزيرة غوام.

الظروف في العام التالي خدمت إدارة ترامب من عدة اتجاهات، الاتجاه الأول هو صعود الليبراليين في كوريا الجنوبية لكرسي الحكم متمثلا في إدارة الرئيس مون جيه إن؛ إذ إن الإدارات الليبيرالية في تاريخ سول هي الأكثر سعيًا للتواصل مع الشمال منذ وصول الرئيس “كيم ديه جونغ” للحكم في نهايات تسعينيات القرن العشرين، فكان أول من عقد لقاء قمة مع زعيم كوري شمالي وهو كيم جونغ إل عام 2000.

هذا الصعود مهد الأرض لزعيم كوريا الشمالية للحديث عن التواصل مع الجنوب في خطاب العام الجديد 2018، لكنه أبقى على الحديث عن التهديدات النووية للولايات المتحدة. زيارة شقيقة زعيم كوريا الشمالية للجنوب في افتتاح أوليمبياد بيونغ تشانغ ثم القمة الكورية الكورية في أبريل من نفس العام جعلت سول تلعب دور الوسيط بين واشنطن وبيونغ يانغ انطلاقًا من إدراكها أن السلام في شبه الجزيرة الكورية ينطلق من إنهاء حالة العداء بين الشمال والولايات المتحدة.

الاتجاه الثاني يتمثل في اكتمال البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية الأمر الذي دفع زعيم كوريا الشمالية في نفس الشهر للإعلان عن التخلي عن سياسة بيونغ جين، واعتماد سياسة تضع الاقتصاد أولًا؛ أملًا في تخفيف العقوبات المفروضة على بلاده.

اعتمدت إدارة ترامب –عكس الإدارات الأمريكية السابقة– على دبلوماسية من أعلى إلى أسفل عبر القمم بين زعيم كوريا الشمالية والولايات المتحدة دون وضع شرط التخلي عن السلاح النووي أولًا قبل اللقاء، إضافة إلى استخدام ترامب لمنهج العلاقات الشخصية في التعامل مع القيادة في الشمال، وهو ما أدى في النهاية لانعقاد قمة تاريخية بين ترامب وكيم جونغ أون في سنغافورة.

الأمر الآخر هو أن إدارة ترامب غضت الطرف عما يتعلق بمسألة انتهاكات حقوق الإنسان في كوريا الشمالية، وهو ما ظهر جليا في عرقلة اجتماع لمجلس الأمن حول انتهاكات حقوق الإنسان في البلدة المعزولة في ديسمبر من عام 2019. 

قمة سنغافورة

هذه القمة تعد في حد ذاتها نجاحًا لكوريا الشمالية لأنها بمثابة اعتراف من الرئيس الأمريكي بالنظام الشيوعي الحاكم في بيونغ يانغ، أما بنود هذه القمة والتي شملت الموافقة على إنشاء روابط أمريكية كورية شمالية جديدة، والعمل على تاسيس نظام سلمي، والالتزام بإعلان القمة الكورية الكورية التي عقدت في قرية الهدنة “بان مون جوم”، إضافة إلى استعادة رفات أسرى الحرب أو الجنود الذين أعلنوا في عداد المفقودين خلال الحرب الكورية ربما رسمت خطوطًا عريضة كانت تحتاج إلى مزيد من التشاور في المستويات الأدنى من البلدين.

ترامب يتلقى رسالة "جميلة" من زعيم كوريا الشمالية | أخبار سكاي نيوز عربية

وهو ما لم ينجح ليؤدي في النهاية لفشل القمة الثانية في هانوي في فبراير 2019. مع الخلاف حول مسألة تفكيك يونغبيون النووية مقابل رفع العقوبات؛ إذ قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إنهم لم يتحدثوا عن تجميد البرنامج النووي لبلادهم بشكل كامل، في المقابل قال وزير خارجية الشمال حينها ري يونغ هو إنهم طلبوا رفعًا جزئيًا للعقوبات مقابل تفكيك موقع يونغبيون النووي بالكامل.

مباحثات العمل

وجود بعض الشخصيات في المستوى الأدنى داخل الإدارة الأمريكية تتمتع بصورة ذهنية سيئة أضر أيضًا بالمشاورات، لا سيما وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون. فزيارات بومبيو اللاحقة لقمة سنغافورة إلى بيونغ يانغ ولقاؤه مع زعيم كوريا الشمالية والذي عبر عنه وزير خارجية كوريا الشمالية بالأسف ثم التلاسن الحادث بين الطرفين وتراجع آمال التفاوض جعلت من مباحثات العمل أمرًا صعبًا لدرجة طلب الشمال لتغييره. 

مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون أيضًا لا ينظر إليه من جانب بيونغ يانغ بارتياح حيث يعتبرونه مهندس تخريب الاتفاقية الإطارية عام 1994 مع حلوله كنائب لوزير الخارجية في إدارة بوش الابن عام 2002، وينظر إليه على أنه أبو البرنامج النووي لكوريا الشمالية لهذا السبب.

تعريف النزع النووي

يكتنف تعريف النزع النووي بالنسبة لكوريا الشمالية قدرًا كبيرًا من الغموض ففي حين تعرفه الولايات المتحدة بتخلي بيونغ يانغ عن أسلحتها النووية ربما يعرفه الطرف الآخر بتخلي الولايات المتحدة في المقابل عن مظلتها النووية في المنطقة لا سيما الأسلحة الاستراتيجية الموجودة في جنوب شبه الجزيرة الكورية ما يضع عملية التفاوض في مفترق طرق للوصول إلى تعريف واضح لكلا الطرفين حول هذه المسألة.

الضمانات الأمنية والعقوبات الاقتصادية

يعيش النظام الكوري الشمالي منذ عام 2006 –أول تجربة نووية- مع عقوبات متزايدة مع كل تجربة نووية وصاروخية جعلت الاقتصاد الكوري الشمالي في وضع سيء للغاية، لكن رغم ذلك لم تتخل بيونغ يانغ عن برنامجها النووي لاعتقادها أنه الضمانة الوحيدة للردع وبقاء النظام من وجهة نظرها، ولذلك وعد ترامب بدخول العديد من الاستثمارات إلى كوريا الشمالية حال تخليها عن أسلحتها النووية.

رفع العقوبات الاقتصادية ليس المطلب الوحيد لكوريا الشمالية لكن هناك رغبة لدى بيونغ يانغ في الحصول على ضمانات تحفظ أمن النظام الحاكم وهو ما تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد لقائه بكيم جونغ أون في فلاديفوستوك الروسية العام الماضي نظرًا لتكرار نموذج العراق أو ليبيا. 

ولعل ذلك ما يفسر استمرار كوريا الشمالية في تطوير ترسانتها الصاروخية لاسيما مع مطلع العام الجاري والتي ظهرت جلية في العرض العسكري الأخير في الذكرى رقم 75 لتأسيس الحزب الحاكم والتي ألقى فيها كيم جونغ أون خطابًا لم يهاجم فيه الولايات المتحدة ولا اليابان لكن تحدث فيه عن أن أدوات الردع التي يمتلكها لن تستخدم بشكل استباقي.

سنجد أيضًا في رسالة زعيم كوريا الشمالية لترامب بعد إصابة الأخير بفيروس كورونا دليلًا على بقاء العلاقة الشخصية بينهما وإمكانية فتح باب الحوار مرة أخرى على المستوى الأعلى. ولعل النظام في بيونغ يانغ كان يترقب نتيجة الانتخابات الرئاسية في أمريكا لبحث الخطوات المقبلة.

الضغط على الحلفاء

في الوقت الذي كانت تعمل فيه كوريا الجنوبية كوسيط ما بين الولايات المتحدة والجارة الشمالية كان دونالد ترامب يضغط على حلفائه في سول للمساهمة بشكل أكبر في تكاليف وجود قواته على أرضهم والمقدرة بـ28 ألف جندي أمريكي حيث كان يطالب بزيادة العبء الذي تتحمله سول إلى 50% أي أن تدفع حوالي 1.3 مليار دولار، في حين أن سول تعرض زيادة في نصيبها بنسبة 13% من أصل 870 مليون دولار دفعتها وفقا لاتفاقية العام الماضي.

ماذا سيفعل بايدن؟

في مقالة حصرية لوكالة الأنباء الكورية الجنوبية – يونهاب- بعث الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن قبل الانتخابات رسالة تحوي سياسته تجاه شبه الجزيرة الكورية يمكن إجمالها في نقطتين مهمتين: 

النقطة الأولى هي التعهد بتقوية التحالف مع سول بدلًا مما وصفه بابتزازها بتهديدات انسحاب القوات الأمريكية في إشارة إلى الضغوط التي تمارسها إدارة ترامب، مستخدما العبارة الكورية “كاتشي كابشيدا” أو نذهب معًا.

النقطة الثانية هي العمل عبر دبلوماسية قائمة على المبادئ والضغط من أجل نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية وتوحيد شبه الجزيرة الكورية. 

في البداية يرى بايدن أن اللقاءات الثلاثة التي جمعت ترامب بكيم جونغ أون لم تؤدِ إلى حلحلة الأزمة لكنها أعطت فقط لزعيم كوريا الشمالية اعترافًا دوليًا وشرعية وهو ما يحتاجه، وفي مناظرتهما الأخيرة وصف بايدن زعيم كوريا الشمالية بالبلطجي.

أما مسألة اللقاء فقد تحدث عنها في تجمع انتخابي مطلع العام الجاري قائلًا إنه لن يلتقي كيم دون شروط مسبقة، ثم تحدث عن هذا الشرط في المناظرة الأخيرة مع ترامب وقال إنه تخفيض بيونغ يانغ لقدراتها النووية قبل الاجتماع. وأشار بايدن إلى أنه سيضغط على الصين من أجل إقناع كوريا الشمالية للتخلي عن سلاحها، وجعلها جزءًا من الاتفاق النووي.

كل هذا يؤشر على أن بايدن سيتخذ مع كوريا الشمالية نهجًا مغايرًا تمامًا لنهج ترامب يتمثل في العودة إلى الدبلوماسية التقليدية في التعامل – من أسفل إلى أعلى- ما يعني التعاون مع الحلفاء التقليديين في المنطقة “كوريا الجنوبية واليابان”، والتشاور على مستوى العمل من أجل الضغط على بيونغ يانغ وتحفيزها لنزع السلاح النووي مع الأخذ في الاعتبار أنه لن يعود إلى سياسة الصبر الاستراتيجي التي كانت تتخذها إدارة أوباما. 

الأمر الآخر هو تركيز الإدارات الديمقراطية عادة على ملف الحريات وحقوق الإنسان، وهو ما قد يعود مرة أخر للظهور على السطح في بيانات إدارة بايدن حول كوريا الشمالية، فوفقًا لتصريحات أحد مستشاري بايدن لرويترز فإن بايدن سيعمل على لفت الانتباه أيضًا إلى انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد وهو ما تفتقر إليه الإدارة الحالية بحسب وصفه.

بالنسبة لكوريا الشمالية فإن بايدن كان العام الماضي محل هجوم لوسائل الإعلام المركزية في الدولة المعزولة بعد انتقاده لاجتماع ترامب مع كيم حيث وصفه بالـ “طاغية”.  حينها وصفته وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية في تعليقها بالتهور وفقدان المنطق والحماقة. كل هذه الأمور تضع العالم في حالة ترقب لردة فعل بيونغ يانغ حول هذه التطورات، فحتى كتابة هذه السطور لم تصدر كوريا الشمالية أي بيان رسمي أو تتخذ أي خطوة استفزازية حيال هذه التطورات.

المصدر: المرصد المصري

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: