دراسات النظام السياسي

لماذا فشلت الولايات المتحدة في منع اقتحام الكونجرس؟

بقلم: محمد محسن

حين أدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليمين الدستورية في يناير 2017، لم يكن في مخيلة المتشائمين والمتفائلين من تنصيبه أن الأمور في العاصمة واشنطن ستؤول بعد سنوات إلى المشاهد التي هزت الكبرياء الأمريكي، عشية اقتحام مئات المتظاهرين من أنصار الرئيس ترامب لمبني الكابيتول، ووصولهم لقاعة الكونجرس أثناء عقد جلسة مشتركة بين مجلس النواب والشيوخ للتصديق على فوز الرئيس المنتخب جو بايدن، 6 يناير الجاري، في واقعة تاريخية لا مثيل لها منذ حريق واشنطن 1814 الذي تسببت فيه القوات الإنجليزية في محاولاتها لإبقاء سيطرتها العسكرية على المستعمرات في أمريكا الشمالية.

فإن كانت نيويورك عاصمة العالم التي لا تنام، والمرآة العاكسة لتطور نموذج “الحضارة” الأمريكية وقيمها السياسية والاقتصادية والأخلاقية، فإن العاصمة واشنطن ومؤسساتها تمثل عقل النموذج الأمريكي، وأيقونته الكلاسيكية. ما يجعل مشاهد الاقتحام الأخيرة لمبنى الكابيتول جرحًا غائرًا في ذاكرة التاريخ الأمريكي وعائقًا مستقبليًا أمام رعاية الخطاب الديمقراطي الرشيد وتسويقه عالميًا، وخاصة أمام القوى الشرقية المناوئة لواشنطن ونموذجها “الحضاري” ككل. 

وبعيدًا عما سببته مشاهد اقتحام الكونجرس والعبث بمكاتب النواب ورئيسة المجلس، وانبطاح النواب الأمريكيين داخل القاعة وهرولة بعضهم للممرات الآمنة، على الجانب النفسي والسياسي لدى النموذج الأمريكي، فإن ثمة تساؤلات قد طفت على السطح حول قدرات القوة الأعظم في العالم، على التنبؤ بالمخاطر الداخلية وإجراءات تقييمها ومن ثم العمل على منع وقوعها وتفاديها.

فحصيلة المشهد كانت فادحة (5 قتلي) وعشرات الجرحى، وآلاف من الوثائق التي أصبحت في متناول المتظاهرين بالرغم من تباين أهميتها كأوراق ذات قيمة في دولة باتت تتحكم في أكثر من نصف البيانات الرقمية على الأرض. ما عدّه الكثير من المسؤولين السابقين الأمريكيين بمرارة كفشل في التأمين، والاستجابة الفورية المناسبة للتهديدات الداخلية، على الرغم من إجادة الأجهزة الأمريكية المعنية بالاستجابة للكوارث الطبيعية للعمل تحت مختلف الظروف وضمن خطط اندماجية عالية التعقيد بين مختلف المؤسسات الأمريكية.

ويمكن الوقوف على أسباب الفشل الأمريكي الفجّ في تأمين رمز الديمقراطية الأمريكية وأيقونة الدستور “الكونجرس الأمريكي”، والذي استدعى الصور المرسخة عن دول العالم الثالث، في مفارقة لم تخلُ من المقاربات، كالاتي:

  • تنامي حالة الاستقطاب السياسي والفكري داخل المجتمع الأمريكي، فطبقًا لمؤشر الديمقراطية الذي تطلقه مؤسسة “الإيكونومست”، عن تدهور حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة، وتنامي تأثير الجماعات المسلحة وعنف الشرطة، وأخيرًا تهميش الأقليات في مجال السياسة. حيث خفض مؤشر الإيكونومست مستوى الديمقراطية في الولايات المتحدة، من مستوى “الديمقراطية الكاملة” لـ “الديمقراطية المعيبة”.

ما أفضي بدوره لزيادة معدلات ممارسة العنف السياسي ولاسيما بين أنصار مرشحي الحزب الديمقراطي والجمهوري، منذ اليوم الأول لإعلان فوز دونالد ترامب في الاستحقاق الانتخابي 2016، وتلى ذلك الاشتباكات التي وقعت في نوفمبر الماضي بين أنصار بايدن وترامب حين دعا الأخير للمرة الأولى أنصاره للاحتشاد في العاصمة واشنطن. ثم الاشتباكات الأخيرة التي وقعت في السادس من يناير بين أنصار ترامب وعناصر شرطة العاصمة المكلفة بحماية مبني الكابيتول.

عبرت تلك الأحداث عن تنامي ظاهرة الاستقطاب السياسي التي باتت محل دراسة للعلماء والباحثين في علوم السياسة وحتى الرياضيات، حيث طور الباحثون في معهد نورث ويسترن للأنظمة المعقدة نموذجًا رياضيًّا باستخدام المعادلات التفاضلية بالمواقف الأيديولوجية التي تتبناها الأحزاب السياسية للحصول على أكبر عدد من الأصوات. وتتنافر نتائج الدراسة -والنموذج الذي يقدمه الباحثون- مع النموذج الذي طرحه الفيلسوف والاقتصادي الأمريكي أنتوني داونز في مؤلفه الصادر عام 1957 بعنوان “النظرية الاقتصادية للديمقراطية.

ويقوم نموذج “داونز” على فكرة التصويت “العقلاني”، التي تفترض أن “المرشحين والناخبين” يتصفون بالعقلانية، وأنهم يتخذون قرارات مستنيرة وعقلانية تمامًا. هذا، وتنامت بشكل ملحوظ أعداد الميليشيات المسلحة اليمينية المتطرفة، ووصلت أخطرها للساحل الشرقي الذي يعد ضمنيًا بيئة ليست مثالية لها، وعلى الرغم من كفالة الدستور لحق حمل السلاح للشعب الأمريكي ضمن قوانين منظمة تحد من الإضرار بالمصالح القومية للبلاد ونموذجها الديمقراطي، إلا أن المؤسسات البحثية أطلقت جرس الإنذار مؤخرًا على تنامي أعداد الميلشيات ومنتسبيها.

  • تضارب المعلومات الأمنية والاستخباراتية، فطبقًا للواشنطن بوست، قدّر المسؤولون الأمريكيون بأن باستطاعة 6000-8000 جندي وضابط السيطرة على الأمور في العاصمة، كما قدرت المباحث الفيديرالية عدد المتظاهرين المتوقع وصولهم للعاصمة حوالي 20 ألف، فيما كان الرقم الحقيقي أقل من نصف ذلك. وفي اعتراف على ما يبدو بعدم الاستجابة المثلي، أعلن رئيس شرطة الكابيتول ستيفن سوند ليلة الخميس الماضي أنه سيستقيل. كما ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن شرطة الكابيتول قد رفضت عروض دعم إضافي من الحرس الوطني ومكتب التحقيقات الفيدرالي قبل “الغزو” الكارثي لمبنى الكابيتول بعد ظهر الأربعاء.

 فيما لم تقدم أي من أجهزة الاستخبارات الـ 16 الأعضاء في مجتمع المخابرات الأمريكية، أية تقييمات وتنبيهات استبقت حادثة اقتحام الكونجرس، في مقاربة تلقي بظلالها على العلاقة السيئة بين الرئيس دونالد ترامب ومجتمع الاستخبارات الذي كثيرًا ما اصطدم معه وانتقد أركانه وموظفيه علانية في مواقف عدة. فيما يلم يخصص مسؤولي وزارة العدل مركز قيادة متعدد الوكالات حسب صلاحياتهم.

  • بيروقراطية الإجراءات اللازمة لتفعيل الحرس الوطني، يعد الحرس الوطني هو قوة احتياطية عسكرية توجد في 54 ولاية وإقليم. أي أن لكل ولاية قوة احتياطي من الحرس الوطني خاصة بها، وتخضع قوات الحرس الوطني للسيطرة المزدوجة لحكومات الولايات والحكومة الفيدرالية. ومن مهامها الأساسية مكافحة أي تمرد مسلح، أو احتكاك داخلي بين الجماعات المكونة للشعب الأمريكي، بالإضافة إلى تقديم الدعم الإنساني للمواطنين خلال الكوارث الطبيعية والأزمات، بالإضافة إلى التصدي للهجمات الإرهابية. 

ويمكن للمنخرطين في هذا الجهاز، ممارسة المهن المدنية، بالإضافة إلى انشغالهم بمهامهم العسكرية الرسمية. وللمفارقة؛ فإن الأصل في تكوين الحرس الوطني قديمًا 1824 كانت الميليشيات العسكرية المنتشرة بكامل الولايات الأمريكية. إلى أن أصدر الكونجرس عام 1916 قانون الدفاع الوطني، الذي نص على ضم كافة الميليشيات تحت الحرس الوطني، وتنظميها، وكذلك سمح الكونجرس للولايات بأن يكون لها حرس وطني خاص بقوات الاحتياط. وفي عام 1947 نال هذا الجهاز استقلاليته عن القوات المسلحة، وأصبح كأحد عناصر الاحتياطي المطابق لتشكيل الجيش. وذلك لتخفيف عسكرة الاستجابات للتهديدات الداخلية، كونها من قيم الديمقراطية التي تروج لها الولايات المتحدة من تحت قبة الكابيتول لأرجاء العالم. وتمثل العاصمة واشنطن استثناءً في حالة الحرس الوطني، فهي مقاطعة وليست ولاية، وللرئيس الأمريكي وحده حق نشر قوات الحرس الوطني مباشرة وطلب الدعم دون قيد من الولايات الأخرى إن اقتضت الحاجة.

 إلا ان وزارة الدفاع التي تشرف على تنظيم عملية إرسال عناصر الحرس الوطني قد رفضت طلب نشرهم داخل الكونجرس، ما دفع باستجابة فورية –وإن كانت متأخرة– من الوحدات الخاصة للمباحث الفيدرالية لتأمين كامل مبني الكابيتول. فيما مازالت تنظم وزارة الدفاع عمليات إرسال عناصر الحرس، والإشراف كذلك على نوعية تسليحهم ومهامهم حتى إعلان تنصيب بايدن رئيسًا في 20 يناير القادم.

ويمكن تفسير تخبط استجابة الحرس الوطني منذ بداية الأزمة، كنتيجة لمخاوف المؤسسة العسكرية الامريكية على التورط في المشهد الداخلي المتفاقم، إذ ما زالت تلتزم بالحياد حفاظًا على قيم الجمهورية الأمريكية، وهذا ما عبر عنه ضمنيًا رئيس هيئة الأركان العسكرية المشتركة الجنرال “مارك ميلي” وهو أرفع منصب عسكري في الولايات المتحدة. 

وظهر ذلك في الاستجابة المتأنية للحرس الوطني في الاحتجاجات العارمة التي اندلعت عقب وفاة جورج فلويد مختنقًا بواسطة عناصر شرطة مينابوليس، مايو 2020، وانتشر في 23 ولاية بإجمالي قوة تقدر بـ 17 ألف عنصر. ونجح في احتواء الغضب العارم بأقل خسائر ممكنة مقارنة بالرد الفوضوي من قبل سلطات إنفاذ القانون المدنية على الاحتجاجات

خاتمة، من الممكن القول إن الرئيس ترامب كان يريد تصادمًا عنيفًا بين المتظاهرين وقوات شرطة واشنطن، وأن بهذه الطريقة التي تعاملت بها شرطة، قد فوتت عليه تصدير مشهد ثوري في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وإظهاره بالمحرض على العنف والاقتتال.

وعلى الرغم من رواج تلك السردية بأروقة الجمهوريين المتشددين الذين يرون أن ترامب تم استدراجه لفخ من قبل الديمقراطيين في مبني الكابيتول لإنهاء مستقبله السياسي، ورفع احتمالات عزله وتجريده من سلطاته كي يتم ملاحقته قضائيًا؛ إلا أن المشهد العبثي في قاعة الكونجرس بعد اقتحامها، لا ينفصل عن مشهد آخر لا يقل عبثية وتمثل في أعمال حرق ونهب وسرقة طالت غالبية الولايات الأمريكية في أعقاب وفاة جورج فلويد، مايو الماضي. وعبرت جميعها عن عجز أدوات الذكاء الاصطناعي المتطورة بشكل مبهر والتحليل الاستخباري عالي القيمة في مداواة مزاج استقطابي حاد يعصف بالمجتمع الأمريكي منذ بدء موجات ما يسمي بالربيع العربي 2011. 

بيد ان الانقلاب الأمني الذي عايشته عاصمة العالم نيويورك في مايو الماضي، وانسحاق عناصر الأمن في مبني الكابيتول، لم يزعزع قط التفوق الأمريكي الساحق على صعيد القوة العسكرية، فما تزال واشنطن القوة الأعظم، وفي اللحظة التي أهين فيها رمز الديمقراطية الأمريكية، كانت مقاتلات سلاح الجو الأمريكي تجوب العراق، والخليج العربي، بأسطول متكامل من الطائرات الخاصة بالقصف الاستراتيجي، والاستطلاع والاستخبار الالكتروني والتزود بالوقود، والطائرات المسيرة غير المأهولة، والمقاتلات الشبحية. كما كانت تعمل مثيلات هذه المنظومة في أكثر من دائرة من جنوب الباسيفك وصولًا لشرق أوروبا، لتعبر الصورة الكلية، عن مأزق الجمهورية الأمريكية القادم، وهو مأزق احتمالات توظيف القوة “الصلبة + الذكية” من دون الغلاف الأخلاقي القيمي لنموذج الديمقراطية الامريكية ومصداقيتها.

المصدر: المرصد المصري

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: