دراسات النظام السياسي

العلاقة بين الدين والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم: د.شاهر الشاهر

إن تأثير الدين موجود منذ البدايات الأولى لتكوين المجتمع الأميركي، فأصل هذا المجتمع يعود إلى تلك المستعمرات التي أسسها (البيوريتانيون) الفارون من الاضطهاد الديني في أوروبا الغربية كي يعبدوا الله على طريقتهم الخاصة في الدنيا الجديدة التي طالما حلموا بها، فالمجتمع الأميركي مجتمع من المهاجرين كان الدين جزءاً من تكوينه الأيديولوجي.

لقد كانت مغامرة كريستوف كولومبوس لاكتشاف أميركا عام 1492، مغامرة دينية بالأساس. كما أن الدستور الأميركي تأثر بالفكر الديني. فمبدأ الفصل بين السلطات، وفكرة الضبط بين الكونغرس والرئاسة تعود إلى اعتقاد البيوريتانيين (التطهيريين) في ازدواجية الطبيعة الإنسانية أي الكمال (السمو) من جهة، والنقص منذ الخطيئة الأولى من جهة أخرى.

فالمسيحية هي الديانة الأولى في الولايات المتحدة، والمذهب الرئيس هو البروتستانتية والذي ينقسم إلى عدة طوائف، أكبرها الطائفة المعمدانية والتي يأتي منها دائماً رئيس الجمهورية، ولم يتقلد هذا المنصب سوى رئيس كاثوليكي واحد هو جون كيندي(1961- 1963).

لقد شعر البروتستانت بالمزاحمة من قبل الكاثوليكية، الأمر الذي دفعهم إلى المطالبة بفصل الدين عن الدولة. وقد تم لهم ذلك حين تقرر إدخال مبدأ الفصل في صلب الدستور الأمريكي. والذي عدّ التعديل الدستوري الأول عام 1789.

ولا يوجد دين رسمي ولا كنيسة رسمية (وضع هذا النص توماس جيفرسون الذي أصبح الرئيس الرابع للولايات المتحدة الأمريكية) لأنه خشي أن تفرض إنكلترا مذهبها المسيحي وكنيستها.

وتمتنع الدولة عن تمويل أي مؤسسة دينية من الخزانة العامة، ولا تموّل الدولة المدارس الدينية من المال العام، حتى لا ترسخ ديناً أو مذهباً معيناً.

إن الانفصال بين الدين والحياة السياسية في التقاليد الغربية هو انفصال نظري صاغه الفقه الغربي في محاولاته لإيجاد حل للمشكلات السياسية التي كانت تعاني منها الدول الغربية في العصور الوسطى نتيجةً لمبالغات الكنيسة الكاثوليكية في ممارساتها السياسية. وإن هذا الانفصال لم تتقبَّله المرجعية الأصلية لثقافة هذه المجتمعات لتعارضِه مع التَّصور القائم للعلاقات السياسية والذي تشكّل القيم المسيحية أحد أهم عناصره، ولتجاهله لواقع الحركة السياسية والاجتماعية الغربية التي يُعَدُّ الدين عاملاً مؤثراً في تشكيلها وتوجيهها.

الدّين في الولايات المتحدة يتزاوج بين قراءتين:

  • الدّين المدني: وهو مجموعة من الطقوس والرموز الدينية وشبه الدينية التي تطبع الحياة الأمريكية.
  • والدّين المتدين: الذي يتكون من جماعات وكنائس مختلفة، و يبدو أن الصّراع يتركز بين الجماعات المختلفة في إطار دائرة التَّأثير في حقل الدَّين العام، وهو حقل معقد تأخذ فيه العناصر الدنيوية عاملاً موازياً للعناصر الدينية.

وعلى الرَّغم من أنَّ دستور الولايات المتحدة ينصُّ على فصل الدّين عن الدولة، فإن دور الدين لم يغب عن القرار السياسي الأمريكي، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.

ومن الطرق التي أصبح فيها الدّين منخرطاً في الحياة السياسية الأمريكية، عمل الجماعات الدينية كجماعات مصالح ومحاولتها التأثير على المسار السياسي بأساليب متنوعة وتظهر الكتب ذات الموضوعات الدينية في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، كما أن هناك مئات المواقع الأمريكية على شبكة الإنترنت مخصصة للدين، وأصبحت المنظمات الدينية المحافظة- الأصولية بوجهٍ خاص- أكثر فعالية في السياسة في العقود الماضية.

ففي الولايات المتحدة ( الدولة العلمانية التي ينص دستورها على فصل الدين عن الدولة) 1400 محطة دينية، يعمل فيها 80 ألف قسيس إنجيلي، أكثريتهم الساحقة من أتباع هذه المدرسة التي تعد “إسرائيل” تجلياً إلهياً وتجسيداً لنعمه من أجل خلاص بني البشر.

المجتمع الأمريكي مجتمع علماني، والمجتمع العلماني بوجه عام يرفض المؤسسة الدينية أو يفصل بينها وبين الدولة، ولكنه لا يرفض القيم الدينية الضابطة للمجتمع.

وإن اهتمام المجتمع الأمريكي بالدين هو اهتمام على المستوى الفردي، فالدين قضية فردية تماماً، وهذا ضد التَّدين في المجتمعات الشرقية أو الإسلامية والتي يغلب التّدين الجماعي.

المصدر: توازن للأبحاث والدراسات

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: