العلاقات الدولية

مستقبل العلاقات التركية – الأمريكية حال وصول جو بايدن للرئاسة

بقلم: محمد هيكل

ما أعتقد أنه يجب علينا فعله هو اتخاذ نهج مخالف حياله أردوغان، وندعم بوضوح معارضيه”، “يجب عليه دفع الثمن على سياسات تركيا وقمعها للأكراد”، “إنه مستبد”. كان ذلك جزءًا من تصريحات بايدن التي أدلى بها في لقاء له مع صحيفة “نيويورك تايمز” ديسمبر الماضي.

تصريحات بايدن جاءت ردًا على سؤال حول السياسة الخارجية الأمريكية، كشفت إجابته عن ما يمكن أن تكون عليه توجهاته من عدة ملفات متداخلة مع أنقرة. اللافت أن تصريحات بايدن أعيد نشرها وتداولها في تركيا أغسطس الماضي، لدرجة تصدر اسم المرشح الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة على رأس قائمة الموضوعات الأكثر تداولًا على منصات وسائل التواصل التركية. 

رد الفعل التركي على تصريحات بايدن سواء من المسؤولين الأتراك أو قادة الأحزاب بمختلف توجهاتها يوضح قلقهم من وصول جو بايدن للبيت الأبيض في 3 نوفمبر المقبل، فهم يعرفون أن العلاقة التي طورها أردوغان مع الرئيس ترامب لن تنتهي فحسب، بل سيضطر الرئيس التركي للتعامل مع رئيس لديه رؤية ومواقف مختلفة حيال عدة ملفات تتداخل فيها تركيا؛ فوفقًا لوكالة “بلومبيرج” فإن اتصالات الرئيس أردوغان تصل فورًا لمكتب الرئيس ترامب وهو ما يدلل على عمق العلاقة المهددة حالة وصول جو بايدن، كما أن النهج الأمريكي في التعامل مع الملفات المتداخلة بينها وبين تركيا سيختلف حال وصول بايدن. أهم تلك الملفات بالتأكيد الملف السوري والصراع على ثروات شرق المتوسط، والتوسعات التركية بالإضافة للأوضاع الداخلية وقمع حرية الرأي والصحافة في تركيا، 

سوريا

كان جو بايدن أحد أكثر المؤيدين لضرب دمشق عسكريًا لإسقاط حكم بشار الأسد بعد استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في أغسطس 2013، لا يعني ذلك تأييده للتدخل العسكري في سوريا؛ إذ كان قد صرح في 2016 (آخر عام في ولاية الرئيس أوباما) بأن “استخدام القوة ليس هو الأسلوب الصحيح للتعامل مع الأزمة السورية” ردًا على تقدم 51 دبلوماسيًا أمريكيًا بمذكرة للاعتراض على نهج إدارة أوباما حيال الأزمة السورية.

أما حول الدور التركي في سوريا فقد ذكر بايدن صراحة أن الدور التركي يمثل مشكلة حقيقية تزيد المشهد تعقيدًا، ففي تصريح له في مارس الماضي بعد تقدمه على منافسيه الديمقراطيين في تصويت الولايات قال بايدن “المشكلة في سوريا هي حلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا التي دفعت بألاف المقاتلين الأجانب بما في ذلك أشخاص مرتبطين بتنظيم القاعدة لفعل أي شيء لإسقاط نظام الأسد، ولم تنجح في ذلك، وتحول الأمر إلى فوضى ودمار تبعه ظهور داعش وانتشاره في العالم”.

التصريح السابق يكشف أن بايدن يعلم جيدًا حجم الدور الذي يلعبه الأتراك في سوريا، ويشير إلى أن دور أنقرة السلبي في الملف يعقده أكثر، وأن تعاظم الدور التركي في سوريا أمر يرفضه بايدن بوضوح حيث كان انتقد قرار الرئيس ترامب بسحب القوات الأمريكية من الشمال السوري ووصف القرار بالخيانة “للحلفاء الأكراد”، كما أن تصريحاته بنيته الإبقاء على ألف جندي أمريكي في سوريا تحت غطاء جوي فسره محللون بأنها ستكون خطوة منه لتحجيم الدور التركي ومجابهة المليشيات المدعومة من أنقرة.

كان بايدن اعترف في تصريحات سابقة بأن الرئيس السوري بشار الأسد “عزز موقعه في سوريا”، لكنه حمّل الرئيس ترامب مسؤولية ذلك بعد قراره بسحب القوات بالتزامن مع الإعلان عن هزيمة تنظيم داعش، وهو ما يعني أننا قد نرى سياسة أمريكية مختلفة حيال الملف السوري والتدخل التركي، وانخراط أكبر للقوات الأمريكية في سوريا ليضيق المساحة على الأطماع التركية حال وصول جو بايدن للبيت الأبيض.

كما أن موقفه الثابت في دعم الأكراد أمر آخر يوضح أن بايدن سيكون أكثر اهتماًما بالأزمة السورية من الرئيس الحالي ترامب. بايدن كان أكد خلال لقائه الصحفي ديسمبر الماضي مع صحيفة “نيويورك تايمز” على أهمية الأكراد عندما صرح ” آخر شيء كنت سأفعله هو التنازل له فيما يتعلق بالأكراد، كان ذلك ليكون أخر شيء لأفعله”، معلقًا على سؤال من الصحيفة حول نهج الرئيس ترامب فيما يتعلق بالأزمة السورية والأكراد والسماح لتركيا بالدخول للشمال السوري.

شواهد أخرى يمكن تحليلها لمعرفة موقف بايدن من الأكراد تدلل على أنه سيكون له نهج مختلف معاكس للرغبات التركية، فوفقًا للمحلل السياسي الأمريكي فلييب كواليسكي المتخصص في الشؤون التركية من صحيفة “ناشونال إنتريست” فإن بايدن يبدو أنه سيكون أكثر رئيس مؤيد للأكراد في التاريخ، وقد استند كواليسكي لعدة مواقف لدعم وجهة نظره، منها خطاب بايدن للبرلمان الكردستاني في العام 2002 في أربيل.

مع ظهور تنظيم داعش وتغلغله في العراق وسوريا طورت الولايات المتحدة علاقات عسكرية مع حكومة كردستان وقوات حماية الشعب الكردي في سوريا وقدمت لهم الدعم العسكري واللوجيستي ليلعبوا دورًا مهمًا في مواجهة تنظيم داعش في سوريا بالأخص، في تلك الأثناء كان بايدن يعلم جيدًا أن هذا الدعم والتطور في العلاقة سيقض مضجع أنقرة، لكن مضت واشنطن في ذلك كما رفض جو بايدن وصف قوات حماية الشعب الكردي في سوريا بأنها إرهابية بسبب علاقتها بحزب العمال الكردستاني، الأمر الذي أغضب أنقرة وفقًا لصحيفة “أحوال” التركية.

كذلك لا يمكن أن ننسى تصريحات بايدن في مارس الماضي والتي أتت بعد تقدمه على منافسيه الديمقراطيين في “الثلاثاء الكبير” حينما قال “سأفعل كل ما أستطيع لحماية الأكراد الذين ضحوا بحياتهم في الحرب ضد داعش”، وكذلك توصيفه للانسحاب الأمريكي من شمال سوريا وترك الأكراد وحدهم في مواجهة التدخل التركي بــ “خيانة حلفائنا الأكراد”.

من خلال ما سبق يمكن استنتاج أن بايدن سينهج نهجًا مخالفًا للذي انتهجه ترامب فيما يتعلق بسوريا، فتصريحاته ونهجه في السياسة الخارجية خلال توليه منصب نائب الرئيس إبان رئاسة بارك أوباما تشير إلى أنه سيكون أكثر رغبة في التدخل لعدد من الأسباب الاستراتيجية، منها قطع الطريق على التمدد التركي، وحماية الأكراد. الأمر الذي قد يزيد حدة التوتر بين (أردوغان – بايدن) وتزايد التدخل التركي في سوريا وهو ما لن يغض بايدن الطرف عنه كالرئيس ترامب.

الجدير بالذكر أن موقف بايدن من الأزمة الكردية يُعدُّ أقل صراحة من موقفه تجاه “مذابح الأرمن” العام 1915 على أيدي العثمانيين، حيث تعهد بايدن بالاعتراف بها “كإبادة عرقية” حال انتخابه رئيسًا. ملف أخر يضاف لقائمة من الشواهد التي تدلل على توتر مستقبلي في العلاقة بين الطرفين وفقًا لمجلة “بوليتكو” الأمريكية.

أزمة منظومة إس 400

يرى المحللون الأتراك أن الرئيس الحالي دونالد ترامب وبالرغم من التقلبات التي شابت العلاقات التركية الأمريكية خلال السنوات الأربع الماضية إلا أنه سيكون أكثر مرونة مع تركيا من منافسه بايدن الذي من الواضح أنه سيكون صعب المراس فيما يتعلق بتركيا وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “ديلي صباح” التركية بعنوان “ماذا قد تعنيه رئاسة بايدن للعلاقات الأمريكية التركية؟” قالت فيه إنه وبالرغم من محاولات أعضاء الكونجرس بالأخص الديمقراطيين لمعاقبة تركيا بسبب شرائها منظومة “إس 400” الروسية إلا أن الرئيس ترامب حال دون ذلك وفقًا للصحيفة التي ترى أن تلك المرونة النسبية التي أبداها ترامب (رغم ن تقلب العلاقات) لن تكون موجوده على الإطلاق حال تواجد بايدن في البيت الأبيض؛ إذ يدعم عدد من الديمقراطيين مقترح معاقبة تركيا على ذلك، وأيضًا لدى الديمقراطيين علاقات مع جماعات الضغط على تركيا أبرزها على الإطلاق جماعة فتح الله جولن. 

فمن منطلق كونه ديمقراطي يرى الأتراك أن بايدن سينصاع لتوجه حزبه والذي وفقًا ل “ديلي صباح ” التركية يضم عددًا من الوجوه المعادية للإدارة التركية كــــ “إليوت أنجيل” التي ترأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، مما يرجح وجهة النظر أن بايدن لن يكون بتساهل ترامب في هذا الملف تحديدًا، وهو ما خلص له كذلك تقرير الصحيفة التركية، بالإضافة لذلك فإن قانون فرض العقوبات على شراء السلاح من دول معادية للولايات المتحدة المعروف باسم ( كاستا ) والذي استطاع ترامب تعطيله قدر المستطاع إن صح التعبير لكي لا يطبق على أنقرة بعد اتصالات عديدة بين الرئيس التركي والرئيس الأمريكي على مدى الشهور القليلة الماضية وهو الأمر الذي ربما ما كان ليكون حال كان بايدن هو من يدير الأمور في البيت الأبيض فبايدن لن يعارض رغبة الكونجرس، كما أنه وبحسب تصريحاته يرى أن الأمر كان يتوجب التعامل معه بحزم أكثر.

الجدير بالذكر أن تركيا رغم حصولها على منظومة إس 400 الروسية ألا أنها لم تقم بتثبيتها في المواقع المخصصة لها بعد فوفقًا لمركز أبحاث ” فورين بوليسي” فإن أنقرة لاتزال تحتفظ بالمنظومة في قاعدة ” أكينيك” الجوية وهو ما يتفق مع طرح الرئيس ترامب الذي كان عرض على تركيا الحفاظ على منظومة الصواريخ وتخزينها في أحد القواعد الجوية بدلًا من تثبيتها في مقابل عدم فرض عقوبات عليها، وبالرغم من رفضها لذلك في بداية الأمر إلا أن جائحة كورونا وتأثيرها على الاقتصاد التركي جعل أنقرة تفكر بجدية بطرح الرئيس ترامب الذي نفذته سرًا، تلك المرونة التي يبديها الرئيس ترامب في تعامله مع تركيا لن يجدها أردوغان مع وصول بايدن للبيت الأبيض.

التدخلات التركية شرق المتوسط

في تصريحاته لصحيفة “نيويورك تايمز” أشار بايدن إلى إمكانية التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة لعزل تركيا في المتوسط كإجراء ضدها بعد تماديها في مضايقة قبرص واليونان وتدخلها في الشأن الليبي طمعًا في ثروات غاز المتوسط وهو ما وصفته صحيفة “ديلي صباح” التركية بأنه “تهديد وجودي لتركيا”، ورغم حزم تصريحاته فيما يتعلق بتركيا إلا أن بايدن يفضل دائمًا تغليب الحل السياسي، وهو ما قد يعني مزيدًا من التعامل السياسي الخشن مع تركيا كفرض عقوبات جديدة أو تعليق التعاون العسكري أو غيرها من الأدوات الأمريكية للضغط على تركيا، وهو ما أشار له بايدن عندما سؤل عن موقفه من وجود مقاتلات ورؤوس نووية أمريكية في تركيا خلال لقائه مع نيويورك تايمز حيث صرح أنه “قلق جدًا ” حيال الأمر.

مستقبل الدور التركي في شرق المتوسط سيعتمد بدرجة كبيرة على نتيجة يوم 3 نوفمبر المقبل، فوفقًا لبحث نشره مركز “العلاقات الدولية” فإن الضوء الأخضر الذي قدمه الرئيس ترامب بشكل غير معلن لأردوغان حيال تصرفاته في المتوسط سيتحول لضوء أحمر مع وصول بايدن للرئاسة الذي لن يكون بتساهل ترامب مع تركيا، كما أن بايدن سيكون أكثر رغبة في الانخراط مع الناتو واستغلال النفوذ الأمريكي لتهدئة الوضع في شرق المتوسط، وإعادة الولايات المتحدة للمشهد في المنطقة التي فضل ترامب البعد عنها.

بايدن كذلك يود في تقارب أكثر مع أوروبا التي تميل لكفة قبرص واليونان في صراعها على ثروات المتوسط مع تركيا، ففرنسا أعلنت صراحة تحيزها للموقف اليوناني وألمانيا تتخذ نهجًا أقل حدة في دعم جارتها الأوروبية اليونان، وهو ما سيزيد من فرص تقويض التحركات التركية في شرق المتوسط بسبب رغية بايدن في التقارب مع الأوروبيين وإعادة الدور الأمريكي بالأخص في المنطقة التي لدى بايدن فيها خبرة تصل لأكثر من 30 عامًا كسيناتور على رأس لجنة العلاقات الخارجية بالإضافة لدوره كنائب أسبق للرئيس أوباما.

وبالرغم مما سبق لا يمكن توقع أن يتحيز بايدن بشكل واضح مع اليونان وقبرص في خلافهم مع تركيا، ذلك لأن السياسة لعبة مصالح كما أن تركيا دولة مهمة في المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا، لكنها ليست الوحيدة فيوجد دول وتحالفات في شرق المتوسط لها وزن نسبي يضاهي أو هو في بعض الأحيان أثقل من تركيا وهو بالتأكيد ما سيضعه بايدن في الحسبان.

ربما يكفي لبايدن أن يكشف عن موقفه من القضايا ليعبر عن التوجه الأمريكي وهو ما قد يكون كافيًا لخفض حدة النزاع وكبح جماح تركيا بطريقة دبلوماسية حال تحيزه للمعسكر الأوروبي في ملف غاز المتوسط وهو ما يرغم تركيا على التراجع في الملف الشائك ولو قليلًا كما ويمكنه بنفس الطريقة تخفيض حدة السياسة الخارجية التركية دون الحاجة لأدوات خشنة.

المصدر: المرصد المصري

اظهر المزيد

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: